حجم الخط:

ثانيًا: شـروط المسـروق:

يشترط في المسـروق ما يلي:

(1) أن يكون مالًا متقومًا، أي: أنه مال شـرعًا، له قيمة يضمنها، وعلى هذا لو سـرق خمرًا، أو خنزيرًا، أو أصنامًا، أو أدوات الملاهي؛ فإنه لا يقام عليه الحد، إلا أن المالكية يرون أن الآنية التي بها الخمر (دون الخمر نفسها) إذا بلغت نصاب القطع أقيم الحد، وعند الشافعية في آلات اللهو يقام عليه الحد إذا بلغ قيمة ما سـرق النصاب بعد كسـره.

ويرى ابن حزم أن جلد الميتة يقام بسببه الحد؛ لأنه باق على ملك صاحبه بعد دبغه.

(2) نصاب السـرقة:

يشترط أن يكون المال المسـروق قد بلغ نصاب السـرقة؛ وهو: ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة؛ لقوله ﷺ: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا»[1]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم»[2].

وقد اختلف الفقهاء إذا كان المسـروق من (العروض وغيرها)، ما النصاب الذي يقطع به؟ فيرى بعضهم أن ما بلغ قيمته ثلاثة دراهم يقطع به، وهو مذهب مالك وأحمد، أي: أنهم يرون التقدير بالفضة، ويرى الشافعية أن ما بلغ قيمته ربع دينار، أي: أنهم يجعلون التقدير بالذهب، وأما ابن حزم فمذهبه يقطع في القليل والكثير، إلا إذا كان المسـروق ذهبًا فيقطع في ربع دينار، ودليله قول النبي ﷺ: «لعن الله السارق؛ يسـرق البيضة فتقطع يده، ويسـرق الحبل فتقطع يده»[3]، وهو حديث صحيح، لكنه حمله العلماء على ما بلغ النصاب، أي: أن المقصود بـ «البيضة» بيضة الحرب (الخوذة) التي بلغت ربع دينار أو ثلاثة دراهم وكذلك الحبل.

مسألة: هل المعتبر في النصاب وقت السـرقة أو وقت القطع؟

الجواب: إذا كانت قيمة المسـروق تقل عن النصاب وقت السـرقة، ثم زادت بعد ذلك؛ فلا يقام الحد، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة.

لكن إذا كانت قيمة المسـروق قد بلغت النصاب وقت السـرقة ثم نقصت بعد ذلك؛ فيرى جمهور العلماء المالكية والشافعية والحنابلة أنه يقام عليه الحد أيضًا.

وأما الحنفية فإنهم يفرقون بين ما إذا كان النقص بسبب هلاكه في يد السارق فإنه يحد، وما إذا كان النقص بسبب قلة الأسعار؛ فيرى بعض الحنفية أنه يحد أيضًا كقول الجمهور، ويرى بعضهم أن هذه شبهة تدرأ الحد.

والراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، والله أعلم.

(3) أن يكون المسـروق محرزًا:

يعني في الموضع الحصـين الذي يحفط به المال عادة، وعلى هذا: فحد السـرقة لا يقام إلا إذا أخذ المال من حرزه؛ لما ثبت في الحديث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا من مزينة أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل؟ فقال: «هي، ومثلها، والنكال، وليس في شـيء من الماشـية قطع إلا فيما آواه المَرَاح فبلغ ثمن المجن، ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه، وجلدات نكال»، قال: يا رسول الله، كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: «هو، ومثله معه، والنكال، وليس في شـيء من الثمر المعلق قطع إلا فيما آواه الجرين، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال»[4].

«حريسة الجبل»: هي الشاة التي يدركها الليل قبل رجوعها فتسـرق في الجبل، و«المراح»: هو حرز الإبل والبقر والغنم ليلًا، وهذا هو حرزها، ففرق النبيﷺ بين ما أخذ من حرزه فجعل فيه القطع، وما أخذ من غير حرزه، فأوجب فيها الغرامة مثليها، مع التعزير بالجلد، ومعنى «الثمر المعلق» أي: الذي على الشجر، فلم يوجب القطع إلا فيما أخذ من حرزه وهو «الجرين» أي: حرز الثمر الذي يجفف فيه كالبيدر للحنطة.

وعلى هذا فالحديث مخصص لعموم آية السـرقة؛ إذ إنه خص القطع في حالة الأخذ من الحرز، وهذا متفق عليه بين العلماء، وخالف في ذلك ابن حزم؛ إذ يرى أن الحرز ليس شـرطًا في القطع.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة