(1) إذا صدر من الإمام أمرٌ فيه معصـية لله:
فلا تجب الطاعة؛ لما تقدم في الأحاديث: «ما لم يؤمر بمعصـية»، وقوله: «إنما الطاعة في المعروف».
(2) ينبغي أن يراعى وحدة الأمة:
فلا يشق أحد عصا الجماعة، حتى لو كان في الولاة من الأثرة، وضـياع الحقوق، وسوء التدبير ونحو ذلك من الأمور المكرهة، فلا يكون ذلك سببًا لنزع الطاعة عن الولاة إذا كان في المعروف، أو غير المعصـية؛ لما ثبت في الحديث عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم»[1].
و«الأثرة»: اختصاصه بحظ دنيوي، و«أمورًا تنكرونها» قال الحافظ: يعني: من أمور الدين، قوله: «أدوا إليهم حقهم» أي: أدوا إلى الأمراء حقهم الذين وجب لهم المطالبة به وقبضه؛ سواء كان يختص بهم أو يعم، «وسلوا الله حقكم» أي بأن يلهمهم إنصافكم أو يبدلكم خيرًا منهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «من كره من أميره شـيئًا فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية»[2]، وفي رواية: «من فارق الجماعة».
قال ابن أبي جمرة: (المراد بالمفارقة: السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شـيء، فكنى عنها بمقدار الشبر؛ لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق)[3].
قال ابن بطال: (في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار)[4].
(3) إذا عقد للإمام بالولاية فلا يجوز الخروج عليه
إلا إذا أعلن كفرًا صـريحًا لا يحتمل التأويل، فعندئذ يجب خلعه عن الولاية ولو بالمنابذة، شـريطة أن يكون هناك قدرة على ذلك؛ فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا، وعسـرنا ويسـرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان»[5].
نقل ابن التين عن الداودي قال: (الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورًا بعد أن كان عدلًا فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع، إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه)[6].
قال الحافظ: (قوله: «عندكم من الله فيه برهان» أي: نص آية، أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل)[7].
(4) مناصحة ولاة الأمور:
عن تميم الداري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الدين النصـيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم»[8].
قال الحافظ: (و«النصـيحة لأئمة المسلمين» إعانتهم على ما حملوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة معهم، ورد القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصـيحتهم: دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن، ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النصـيحة لهم ببث علومهم، ونشـر مناقبهم، وتحسـين الظن بهم)[9].
قلت: ومن النصـيحة لهم الجهاد معهم حتى وإن جاروا؛ فإن عقيدة أهل السنة والجماعة؛ الصلاة خلف كل بر وفاجر، والصلاة على كل بر وفاجر، والجهاد مع كل بر وفاجر[10].
ومن مناصحة ولاة الأمور: عدم نكث البيعة؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال»[11]، وعنه مرفوعًا: «من أعطى بيعته ثم نكثها؛ لقي الله وليست معه يمينه»[12].