حكم إبلاغ الدعوة قبل القتال:
ذهب فريق من العلماء إلى وجوب إبلاغ العدو الدعوةَ إلى الإسلام قبل القتال؛ سواء كانت الدعوة بَلَغَتْهُم قبل ذلك أم لا، وهذا مذهب الإمام مالك.
وذهب فريق آخر من العلماء إلى أنه لا يجب الإبلاغ مطلقًا، وهو رأي عند الحنابلة.
وذهب جمهور العلماء إلى الفرق بين من بلغته الدعوة قبل ذلك؛ فلا يجب إعادة الإبلاغ لهم، ويكون الإبلاغ حينئذ من باب الاستحباب، وبين من لم تبلغه الدعوة؛ فيجب إبلاغهم، وهذا هو الراجح جمعًا بين الأدلة؛ فقد ثبت في الحديث عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سـرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «وإذا لقيت عدوك من المشـركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم»[1].
فهذا الحديث يدل على وجوب البلاغ قبل القتال، لكن ثبت أن النبي ﷺ أغار على قوم من غير إبلاغهم؛ فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم»[2]، ومعنى «أغار» أي: هجم عليهم، والغارة تكون فجأة لا يسبقها دعوة. و«هم غارون» أي: غافلون.
وقد جمع الجمهور بين هذه الأحاديث بأنه حيث أمر بدعوتهم، فذلك فيما إذا كانوا لم يصل إليهم بلاغ قبل ذلك، وحيث قاتلهم فجأة، فذلك فيما إذا كانوا قد دعاهم وأبلغهم قبل ذلك، وهذا القول هو أرجح الأقوال، والله أعلم.