قد يكون الجهاد فرض كفاية، وقد يكون فرض عين؛ وذلك على حسب الحاجة الداعية إليه، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: فرض كفاية:
وذلك إذا لم يكن النفير عامًّا، وكون الجهاد فرض كفاية هو الأصل في حكم الجهاد، ومما يدل على أنه فرض كفاية قوله تعالى: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ عز وجل﴾ [النساء:95]، فلو كان الجهاد فرض عين لما وعد الله القاعدين الحسنى؛ لأن القعود في هذه الحالة يكون حرامًا.
قال الشـيخ ابن عثيمين: (لا بد فيه من شـرط، وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة، فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة، ولهذا لم يوجب النبي ﷺ على المسلمين القتال وهم في مكة، لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة وكونوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة؛ أمروا بالقتال)[1].
قلت: لكن يلزمهم فرضًا إذا كانوا في حالة عجز وضعف أن يسعوا لتحصـيل القوة التي يتمكنون بها من مقاتلة عدوهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفال:60].
ثانيًا: فرض عين:
يتعين الجهاد على كل فرد إذا كان النفير عامًّا؛ لقوله تعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ [التوبة:41]. ويتعين الجهاد في الحالات الآتية:
(1) إذا التقى الجيشان وتقابل الصفان، فيحرم على من حضـر أن ينصـرف؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ﴾ [الأنفال:45]، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها: «التولي يوم الزحف»[2]، فلا يجوز لمن حضـر القتال أن ينصـرف، إلا في حالتين:
الأولى: أن يكون متحرِّفًا لقتال، بمعنى أن يذهب ليأتي بقوة أكثر.
الثانية: أن يكون منحازًا إلى فئة؛ كأن يُذكر له أن فئة من المسلمين تكاد تنهزم فينحاز إليهم لتقوى شوكتهم، شـريطة ألا يؤثر ذلك في الفئة التي هو فيها.
(2) إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.
(3) إذا استنفرهم الإمام (الحاكم)؛ لقوله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشـي»[3].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٣٨﴾ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ [التوبة:38، 39]. وقال النبي ﷺ: «وإذا استُنفِرتم فانفِروا»[4].
تنبيهات:
(1) استئذان الوالدين: إذا كان الجهاد فرض كفاية فلا بد من استئذان الأبوين قبل الخروج، وأما إذا كان فرض عين فلا يجب الاستئذان، بل يخرج الولد من غير إذن أبويه، وتخرج المرأة من غير إذن زوجها.
(2) من يقوم بالكفاية: زاد الشـيخ ابن عثيمين توضـيحًا لما يكون فيها الجهاد فرض عين؛ وهو إذا احتيج إليه؛ كأن يكون عندنا دبابات وطائرات لا يحسن قيادتها إلا هؤلاء، فيتعين عليهم الجهاد.