حكم تكرار العمرة في السفرة الواحدة:
نشاهد المعتمرين يذهبون إلى التنعيم، من حين لآخر مدة وجودهم بمكة؛ يهلون بعمرة وأخرى وهكذا. والصحيح أن هذا الصنيع لا يجوز؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه اعتمر في السفر الواحد أكثر من عمرة، ولم يثبت ذلك أيضًا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وأما ما استدل به القائلون بجواز ذلك من أن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يردف عائشة رضي الله عنها ويعمرها من التنعيم، فجوابه: أن هذا الصنيع خاص بعائشة رضي الله عنها، وبمن كان مشابها لها في حكمها، فإن عائشة رضي الله عنها لما حجت مع النبي ﷺ حاضت قبل أن تطوف بالبيت، وظلت على إحرامها، حتى كان يوم عرفة فشكت إلى النبي ﷺ فقال: «ارفضـي عمرتك، وانقضـي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج» قالت: فلما كان ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم، فأهللت عمرة مكان عمرتي[1]. أي: عمرة مستقلة، وإلا فالراجح أن عائشة أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة، لكنها لم تطب نفسها حتى تؤدي عمرة كاملة، فأذن لها رسول الله ﷺ.
وعلى ذلك نقول: من أدركها الحيض ولم تطف بالبيت طواف العمرة حتى أتت أيام الحج، فإنها تكمل مناسك الحج، وتدخل الحج على العمرة فتكون قارنة، ولها أن تؤدي عمرة مستقلة بعد الحج كعائشة رضي الله عنها، وأما غيرها فمن لم يكن حالها هكذا فلا يشـرع لها أداء عمرة أخرى، ومما يؤيد ذلك أن عبد الرحمن أخا عائشة الذي خرج معها إلى التنعيم لم يعتمر معها، مع حرصهم الشديد على فعل الخيرات، وأيضًا فلم يثبت أن أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم كان يفعله، ولم يثبت أن النبي ﷺ أدى في السفر الواحد إلا عمرة واحدة، وقد اعتمر ﷺ أربع عمر كلهن في ذي القعدة، ولو كان تكرار العمرة مشـروعًا لفعله ﷺ ولو مرة، أو فعله الصحابة رضي الله عنهم.