حجم الخط:

حكم زكاة عروض التجارة:

ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب زكاة عروض التجارة، واستدلوا على ذلك بأدلة عامة:

منها قوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].

ومنها قوله تعالى: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:19].

وقوله ﷺ: «إن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة؛ تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» [1].

قال ابن العربي رحمه الله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً : عام في كل مال؛ على اختلاف أصنافه، وتباين أسمائه، واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه بشـيء فعليه الدليل[2].

ومنها قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة:267]. قال الجصاص رحمه الله: (قد روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى: ﴿ أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ أنه من التجارات، ومنهم الحسن ومجاهد، وعموم هذه الآية يوجب الصدقة في سائر الأموال؛ لأن قوله تعالى: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ينتظمها)[3].

وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله: (قال علماؤنا: قوله تعالى: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ يعني التجارة، ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني: النبات)[4].

* واستدلوا أيضًا بقول الصديق رضي الله عنه: «والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه»[5]. قال النووي رحمه الله: (وحكى الخطابي عن بعض العلماء أن معناه: منعوني زكاة لعقال إذا كان من عروض التجارة، وهذا تأويل صحيح)[6].

* ومن الأدلة أيضًا: ما ثبت عن عمر، وابنه عبد الله، وابن عباس رضي الله عنهم؛ فعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري قال: كنت على بيت المال زمن عمر بن الخطاب، فكان إذا خرج العطاء جمع أموال التجار، ثم حسبها -شاهدها وغائبها- ثم أخذ الزكاة من شاهد المال على الشاهد والغائب[7].

وأما أثر ابن عمر رضي الله عنهما فقال: «ما كان من دقيق أو بَز للتجارة ففيه الزكاة»[8]، وثبت عنه أنه قال: «ليس في العروض زكاة، إلا أن تكون لتجارة». ومعنى «البز»: الثياب.

وأما أثر ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لا بأس بالتربص حتى يبيع، والزكاة واجبة عليه»[9].

ونقل ابن المنذر وأبو عبيد إجماع أهل العلم على وجوب زكاة عروض التجارة، وخالف في ذلك الظاهرية. قال ابن المنذر رحمه الله: (فأجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة، إذا حال عليها الحول)[10].

قال ابن قدامة رحمه الله: (روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، وطاوس، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وإسحاق، وأصحاب الرأي)[11]. وهو مذهب الحنابلة كما قرر ذلك ابن قدامة في (المغني).

فهذا رأي جمهور العلماء، وقد رأى أهل الظاهر أنه لا زكاة في عروض التجارة، ومع ذلك فقد قرر ابن حزم أن على التجار زكاة، لكنها لم تقدر مقاديرها، بل بما طابت به أنفسهم؛ فقال رحمه الله: (فهذه صدقة مفروضة غير محدودة، لكن بما طابت به أنفسهم، وتكون كفارة لما يشوب البيع مما لا يصح من لغو وحلف)[12].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة