قال الحافظ رحمه الله: اختلف في الخطبة فيه؛ فاستحبها الشافعي، وإسحاق، وأكثر أصحاب الحديث.
قلت: وقد ثبتت خطبته ﷺ في الكسوف، فشـرع التأسـي به ﷺ بإلقاء خطبة بعد الصلاة يحث فيها الإمام على الصدقة، والاستغفار، وذكر الله عز وجل، والاتعاظ بالآيات، والتخويف من عذاب القبر. ومما حفظ من خطبته ﷺ في صلاة الكسوف ما ذكره ابن القيم جمعًا للروايات حيث قال: (وحفظ من خطبته: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا، يا أمة محمد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»[1].
وقال: «لقد رأيت في مقامي هذا كل شـيء وُعِدْتُم به؛ حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت»، وفي لفظ: «ورأيت النار؛ فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع منها، ورأيت أكثر أهل النار النساء»، قالوا: وبم يا رسول الله؟، قال: «بكفرهن»، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشـير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شـيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط»[2].
ومنها: «ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبًا من فتنة الدجال، يؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن -أو قال الموقن- فيقول: محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له: نم صالحًا، فقد علمنا إن كنت لمؤمنًا، وأما المنافق - أو قال: المرتاب - فيقول: لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شـيئًا فقلته»[3].
ومنها: «أيها الناس، إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا يكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم شـيئًا من ذلك فصلوا حتى تنجلي، ما من شـيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتى هذه؛ لقد جيء بالنار، وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصـيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قُصْبَه في النار؛ كان يسـرق الحاج بمحجنه، فإن فطن له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به، وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها؛ فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خَشاش الأرض حتى ماتت جوعًا، ثم جيء بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت منها حتى قمت من مقامي، ولقد مددت يدي، وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل، فما من شـيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه»[4][5]. ومعنى «المحجن»: عصًا منحنية الرأس. و«قصبه»: أمعاءه.