زكاة العسل:
الصحيح الذي عليه الجمهور -فيما حكاه ابن عبد البر عنهم- أنه لا زكاة في العسل؛ قال ابن المنذر: (ليس في وجوب الصدقة في العسل خبر يثبت، ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وهو قول الجمهور). قال البخاري رحمه الله: (ليس في زكاة العسل شـيء يصح). وقال الشافعي رحمه الله: (واختياري ألا يؤخذ منه؛ لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست ثابتة فيه، فكان عفوًا).
وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أن في العسل زكاة؛ مستدلين على ذلك بما رواه أبو داود: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء هلال أحد بني مُتعان إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له، وكان سأله أن يحمي واديًا يقال له: «سلَبة»، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادي، فلما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه سفيان بن وهب يسأله عن ذلك، فكتب عمر: إن أدَّى إليك ما كان يؤدِّي إلى رسول الله ﷺ من عشور نحله فاحم له سلبه، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء[1].
والحديث إن صح لا يدل على وجوب زكاة العسل. وأفاد الشوكاني في الرد على دليل من أوجب زكاة العسل بأن الحديث لا يدل على وجوب الزكاة؛ لأنه تطوع به، وحمى له بدل ما أخذ، وعَقَلَ عمرُ العلةَ فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير في ذلك[2].
فالراجح في ذلك هو قول الجمهور أنه لا زكاة في العسل.
قال الخطابي رحمه الله: (وقوله: «حمى له الوادي»؛ معناه: أن النحل إنما ترعى من البقل والنبات أنوارها...، فإذا حُميت مراعيها أقامت فيها، وأقبلت تعسل في الخلايا، فكثرت منافع أصحابها، وإذا شوركت في تلك المراعي نفرت من تلك المواضع، وأمعنت في طلب المرعى فيكون ريعها حينئذ أقلَّ.
وقد يحتمل ذلك وجهًا آخر؛ وهو أن يكون ذلك بأن يحمى لهم الوادي الذي يعسل فيه، فلا يُترك أحد أن يتعرض للعسل فيشتاره؛ وذلك أن سبيل العسل سبيل المياه والمعادن والصـيود، وليس لأحد عليها مِلْك، وإنما تملك باليد لمن سبق إليها، فإذا حمى له الوادي، ومنع الناس يجتازه هؤلاء القوم، وجب عليهم بحق الحماية إخراج العشـر منه، ويدل على صحة هذا التأويل قوله: «فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء»[3].