حكم زيارة النساء للقبور:
اختلف أهل العلم في جواز زيارة النساء للقبور. قال الحافظ رحمه الله: (واختلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحله إذا أمنت الفتنة)[1].
قلت: ومن الأدلة على جواز ذلك:
(أ) عموم إذنه ﷺ لزيارة القبور في قوله: «ألا فزوروها»؛ فهذا إذن عام يشمل الرجال والنساء.
(ب) دخولهن في معنى الحكمة التي من أجلها أبيحت الزيارة؛ وهي قوله ﷺ: «فإنها تذكركم الآخرة»، فهن يحتجن لهذه الموعظة والذكرى كالرجال.
(جـ) إقراره لعائشة رضي الله عنها، وقد سألته: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ -تعني أهل القبور- قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون»[2].
(د) إقرار النبي ﷺ لهذه المرأة التي رآها عند القبر؛ فعن أنس قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري»، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصـيبتي -ولم تعرفه- فقيل لها: إنه النبي ﷺ، فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»[3].
(هـ) وهذا الذي فهمته عائشة رضي الله عنها؛ فعن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن ابن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها[4].
قلت: لكن يشكل على ما سبق حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لعن الله زوَّارات القبور»[5]، وهو حجة المانعين، ولا إشكال فيه؛ لأنه يمكن أن يجمع بين الروايات السابقة وبينه، بأن المنع لمن تكرر زيارتها، وهو الذي يدل عليه صـيغة المبالغة في قوله: «زوَّارات». في بعض روايات الحديث: (زائرات القبور) لكنها رواية ضعيفة، وقد اختلف العلماء في حكم زيارة النساء للقبور:
فذهب الجمهور إلى الكراهة واحتجوا بأدلة منها حديث أبي هريرة عند أحمد، قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله زوَّارات القبور». ولأن النساء فيهن ضعف.
وذهب الحنفية في الأصح إلى أنه يندب للنساء زيارة القبور كما يندب للرجال؛ لقول النبي ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر بالآخرة». قال الخير الرملي: إن كان ذلك لتجدد الحزن والبكاء وما جرت به عادتهن فلا تجوز، وعليه حمل حديث: «لعن الله زوَّارت القبور». وإن كان للاعتبار والترحم من غير بكاء فلا بأس. اهـ. راجع الموسوعة الفقهية.
وذهب الإمام أحمد في رواية عنه -حكاها ابن قدامة- إلى عدم الكراهة لعموم حديث ثوبان السابق، وهو وجه عند الشافعية -حكاه الروياني في البحر وصحَّحه- إذا أمن الافتتان كما في المجموع للنووي، وهذا هو الراجح، والله أعلم.
قال القرطبي رحمه الله: (هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضـيه الصـيغة من المبالغة)[6]. وقال الترمذي: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء[7].