أورد البعض شبهات حول تعدد الزوجات، أرادوا منها التوصل إلى منع التعدد، أو أن التعدد إنما يجوز في حالات خاصة. وأحاول في هذه الأسطر أن أبين بعض هذه الشبهات جملة والرد عليها سـريعًا:
أن الله تعالى قال: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ [النســاء:129]، وقال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾ [النساء:3]، قالوا: فدل ذلك على الاقتصار على واحدة؛ لأن الآية الأولى بينت أنه لا يمكن أن يعدل بين النساء، فإذا حملنا هذا المعنى على الآية الأخرى ظهر لنا عدم التعدد خوفًا من الظلم.
والجواب: أن العدل في الآية الأولى المقصود به الميل القلبي، ومعلوم أن العدل فيه غير ممكن، وأما الآية الثانية فمقصوده العدل في الأفعال وهو ممكن.
قالوا: إن الله قال: ﴿ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ﴾ [النساء:3]، وزعموا أن المعنى: ألا يكثر عيالكم، وبهذا يقتصـر على واحدة؛ لأن كثرة النساء تستدعي كثرة العيال، وهو مخالف للآية.
والجواب: أن الفهم الصحيح للآية: ﴿ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا ﴾ أي: لا تجوروا، ولا تظلموا، ولا شك أن التعدد مشـروط بالعدل، فهو من (عال يعول) أي: يجور، ولو كانت الآية بمعنى كثرة العيال لقال (تعيلوا) من (عال) (يعيل).
أن النبي ﷺ نهى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يجمع فاطمة مع بنت أبي جهل، قالوا: وهذا يدل على منع التعدد.
والجواب من وجوه:
الأول: أن النبي ﷺ قبل أن ينهى عليًّا عن هذا الجمع قال: «إني لا أحلُّ حرامًا، ولا أحرم حلالًا»، فدل ذلك على أن أصل الجمع جائز، ولكن قصة فاطمة حالة خاصة.
الثاني: أنه ﷺ قال: «والله لا يجمع بين بنت رسول الله وبنت عدو الله أبدًا»[1]، فيكون ذلك من جملة المحرمات: الجمع بين بنت نبي الله وبنت عدو الله.
الثالث: أن هذا فيه إيذاء للنبي ﷺ؛ لقوله ﷺ في بعض روايات الحديث: «فإنما هي بَضْعة مني؛ يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها»[2]، ومن المعلوم حرمة التقدم لفعل يؤذي النبي ﷺ.
ويزاد على ذلك أن النبي ﷺ علَّل ذلك في رواية في الصحيحين بأنه يخشـى على ابنته أن تفتن في دينها، ومن المعلوم أن للمرأة أن تطلب الطلاق إذا كانت ستفتن في دينها، وعلى هذا فليس الحكم خاصًا بفاطمة.
قالوا: إنما يباح التعدد إذا كان بالأولى عيب أو مرض أو نحو ذلك.
والجواب: أن الله تعالى قال: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء:3]، ولم يقيد النكاح بهذه القيود. وأيضًا فإن النبي ﷺ مع حبه لعائشة رضي الله عنها، وسلامتها من العيوب؛ تزوَّج وهي عنده سبع نسوة؛ فدل ذلك على بطلان هذه الشبهة.
قالوا: إن هذا ظلم للأولى.
والجواب: أن الله حكيم في شـرعه، وحكمه عدل لا ظلم فيه، وإذا كان الله قد شـرع ذلك فهذا هو الخير للمرأة وللرجل وللمجتمع كله.
وقد ضمنت الشـريعة للزوجات الحق والعدل، وندَّدت بالأزواج الذين يوقعون الظلم على بعض الزوجات، فإذا وقع ظلم فليس من الحكم التشـريعي، ولكن من سوء خلق الزوج، وهو إذا كان كذلك -أعني سـيء الخلق- فقد ظلمها حتى لو كانت وحدها، فهل يقال بتحريم الزواج أساسًا خشـية الظلم؟ أو نقول بإباحته، مع الانتصاف للمظلوم إن كان هناك ظلم!! فتأمل.
قالوا: إن التعدد يفضـي إلى الخلاف بين الزوجات، وقد يمتد ذلك إلى أبنائهم، مما يشغل الزوج دائمًا في فض الخلافات، فتضـيع سعادة الأسـرة.
والجواب: أن هذا الخلاف الواقع سببه سوء الخلق، وليس هذا حكم الشـريعة، ثم إن العكس يؤدي إلى ذلك أيضا؛ فلو منع الزوج من التعدد ربما سبب ذلك إساءة في تصـرفاته معها فينهدم البيت، أو يتخذ طريق الخليلات فتسوء أخلاقه.
والصحيح: أن يعالج التنافس والكيد الذي قد يقع بين الزوجات بتحسـين أخلاقهن بأحكام الشـرع، ومن المعلوم أن المنافسة أمر طبيعي بين الناس؛ فقد يقع بين الموظفين إرضاء لصاحب العمل أو مديره، فهل تغلق أبواب العمل أمام الناس خشـية الكيد، أو تعالج الأخلاق؟
قالوا: إذا كان الإسلام أباح التعدد للرجل، فلماذا لم يبحه للمرأة ليكون لها حق المساواة؟
وهذا من أقبح وأفسد الكلام، وما أراد به أعداء الدين إلا تمرد النساء على أزواجهن، بل على شـريعة الله؛ لأن هذا الذي قالوه مستحيل طبيعةً وخلقةً وواقعًا؛ (لأن المرأة في طبيعتها لا تحمل إلا في وقت واحد،... وأما الرجل فغير ذلك، فمن الممكن أن يكون للرجل أولاد متعددون من نساء متعددات... وأيضًا تعدد الأزواج للمرأة يضـيع نسب ولدها إلى شخص معين...، وشـيء آخر، وهو أن للرجل حق رئاسة الأسـرة، فإذا أبحنا للزوجة تعدد الأزواج فلمن تكون رئاسة الأسـرة؟... وهناك أمور تتعلق بنسبة الولد إلى أحد الأزواج، وأمور تتعلق بالعلاقة الزوجية، لا تخفى على من كان عنده أدنى إدراك وبصـيرة؛ من إرهاق المرأة، وإضـرار بها، ومن وقوع في المشاكل العائلية، والأمراض الجسمية والنفسـية. إذًا: تعدد الأزواج للمرأة مستقبح عقلًا، وحرام شـرعًا، ومستحيل طبيعة وواقعًا، فلا يقول به إلا من كان إباحي النزعة، ومدنس السمعة، فاسد الخلق، عديم الغيرة، ملوث الشـرف)[3].