لا يحكم بالردة إلا على من كان بالغًا، عاقلًا، مختارًا، مريدًا للكفر، عالمًا بالحكم.
فقولنا: «بالغًا»: خرج بذلك الصبي والمجنون؛ لقوله ﷺ: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»[1].
ومعنى «مختارًا» أي: غير مكره، فخرج بذلك المكره على الكفر؛ فإنه لا يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل:106]، ولأن المكره لا يفعل الشـيء برضاه واختياره، بل باختيار غيره.
ومعنى «مريدًا للكفر» أي: قاصدًا له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ [النحل:106]، أما لو قاله لشدة فرح، أو شدة غضب، أو ذهول، أو سبق لسان، أو نحو ذلك؛ فلا يحكم بالردة، وقد ثبت في حديث التوبة من الذي انفلتت راحلته، ثم وجدها أنه قال: «اللهم أنت عبدي، وأنا ربك»[2]؛ أخطأ من شدة الفرح.
وأما «علمه بالحكم» فالمقصود أن يعلم أن هذا القول أو الفعل كفر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ﴾ [التوبة:115].
وعلى هذا فيعذر المرء بجهله إذا أتى شـيئًا من الكفر لا يعلم أنه كذلك. ولكن إذا كان هذا الشـيء معلومًا من الدين بالضـرورة فلا يقبل ادعاؤه الجهل؛ كمن نفى وجود الملائكة، أو من سب الله ورسوله، أو ادعى عدم علمه بتحريم الزنا فاستحله؛ فلا يقبل إلا أن يكون قد نشأ بعيدًا عن ديار المسلمين.