حجم الخط:

شروط الشهادة:

أ - شـروط تحمل الشهادة:

(1) يشترط فيمن يتحمل الشهادة أن يكون عاقلًا، فخرج بذلك المجنون؛ لأنه لا يعقل، فلا يشترط في التحمل البلوغ والحرية والإسلام والعدالة، وإنما يشترط ذلك في وقت الأداء.

(2) معاينة المشهود به بنفسه لا بغيره؛ بأن يكون حاضـرا وقت التحمل فيسمع أو يرى الواقعة بعينه، ليشهد بعلم، لا بما ينقل إليه من أخبار؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86]، لكن يجوز الشهادة إذا كان مما يستفيض ويتسامع به الناس مما يتعذر العلم به مباشـرة، فيجوز الشهادة في هذه الحالة، فمن الأمور المستفيضة بين الناس: النسب، والنكاح، والموت، والوقف، والملكية، فإذا استفاض بين الناس أن فلانًا ابن فلان، وأن فلانًا زوج فلانة، أو أن فلانًا مات، أو أن هذه الدار وقفٌ أو ملكٌ لفلان؛ جاز له الشهادة بذلك.

(3) اشترط بعض الفقهاء للشاهد وقت التحمل أن يكون بصـيرًا، والراجح ما ذهب إليه الحنابلة: أن هذا لا يشترط، فيجوز للأعمى أن يشهد فيما يتعلق بالسمع؛ كالبيع والإجارة وغيرهما، إذا عرف المتبايعين.

ب - شروط أداء الشهادة:

(1) أن يكون عاقلًا بالغًا:

لقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، وقوله تعالى: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، وعلى هذا فلا تصح شهادة الصبيان، ولكن لو شهد الصبيان بعضهم على بعض فهل تقبل شهادتهم؟ الراجح: أنها تقبل شهادة بعضهم على بعض فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان.

وكذلك لا تقبل شهادة المجنون ولا السكران ولا المعتوه إلا في حالة إفاقته.

(2) الإسلام:

فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم؛ لأن الكافر لا يتخذ بطانة لنا؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [آل عمران:118]. وأجازها الحنفية والحنابلة فقط في الوصـية في السفر؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة:106].

(3) النطق بالشهادة:

وعلى هذا قالوا: لا تقبل شهادة الأخرس، لكن الصحيح أن الأخرس له ثلاث حالات:

أ- أن يكون ممن لا تفهم إشارته ولا كتابته؛ فهذا لا تقبل شهادته.

ب- أن يكون ممن يعرف الكتابة، ويؤدى الشهادة كتابة؛ فهذا تقبل شهادته قولًا واحدًا.

جـ- أن يكون ممن تعرف إشارته وتفهم، فهذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح قبول شهادته.

(4) العدالة:

ودليله قول الله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]. و«العدل»: هو الذي اجتنب الكبائر ولم يُصـر على الصغائر، واشترط بعضهم كذلك أن يكون مجتنبًا خوارم المروءة، وعلى هذا فلا تقبل شهادة الفاسق، ولا تقبل شهادة المخنث، ولا تقبل شهادة نائحة في مصـيبة، ولا مغنية، وذكر الفقهاء أمثلة كثيرة لذلك، ولكن عند تطبيقها على الناس ربما لا تجد من يصلح أن يكون عدلًا؛ فتضـيع الحقوق.

والأولى في ذلك أن يقال: نُشهد ذوي عدل، أي: من وصف بالعدل في شهادته، ولا يلزم من ذلك أن يتصف بالعدل المطلق الكامل إذ قد يتعذر ذلك. قال الشـيخ ابن عثيمين: (وأهم شـيء في هذا الباب مسألة العدالة؛ لأننا لو طبقنا ما ذكره الفقهاء رحمهم الله فيما يعتبر للعدالة على مجتمع المسلمين اليوم لم نجد أحدًا إلا نادرًا، وحينئذ تضـيع الحقوق، وإذا رجعنا إلى مستند الفقهاء في اشتراط العدالة وجدنا ذلك في آيتين ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، وعند التأمل قد لا يكون في الآيتين دليل على ما اشترط الفقهاء؛ لأنه قال: ﴿ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ، أي: صاحبي عدل، ولا يلزم من كونهما صاحبي عدل أن يتصفا بالعدالة المطلقة، بل يمكن أن نقول: إن معنى الآية: أي أشهدوا ذوي عدل في شهادته فقط، فمن كان عدلًا في شهادته فإنه يقبل، ودينه لله)[1].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة