هناك شـروط تتعلق بالقاذف، وأخرى تتعلق بالمقذوف، وثالثة تتعلق بصـيغة القذف؛ وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: شـروط القاذف:
يشترط في القاذف أن يكون بالغًا، عاقلًا، مختارًا، عالمًا بالتحريم، وزاد الشافعية: ألا يأذن له المقذوف بقذفه، فإن أذن له بقذفه لم يحد، واشترطوا كذلك أن يكون القاذف ملتزمًا بأحكام الشـريعة[1]، وأما لو قذفه الحربي فإنه لا يحد؛ لأنه غير ملتزم بأحكام الشـريعة.
ولا فرق في ذلك بين كون القاذف رجلًا أو امرأة.
كما اشترط الحنفية: النطق بالقذف، فلا تكفي إشارة الأخرس؛ لوجود الشبهة، واشترطوا كذلك الإقامة في دار العدل، فلو قذفه في دار الحرب لم يحد، والراجح أنه يؤخر حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقام عليه الحد.
ثانيًا: شـروط المقذوف:
اشترط الفقهاء في إقامة الحد على القاذف أن يكون المقذوف محصنًا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور:23].
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الإحصان المقصود في الآية هو ما اجتمع فيه خمسة شـروط؛ وهي: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والعفة عن الزنا؛ وبناءً على ذلك إذا رمى صبيًّا، أو مجنونًا، أو عبدًا، أو كافرًا، أو من لا عفة له؛ فلا يحد بهذا القذف، أما ابن حزم فقد ذهب إلى أن معنى الإحصان: «المنع»، فهم محصنون عن الزنا.
وعلى ذلك فيمكن القول بأن الفقهاء جميعًا اتفقوا على أنه يشترط أن يكون المقذوف عفيفًا عن الزنا، ولكنهم اختلفوا في بقية الشـروط؛ وهي البلوغ والعقل والإسلام والحرية، فيرى الجمهور اشتراطها، ويرى ابن حزم عدم اشتراطها، وقول ابن حزم أقوى؛ إذ لا دليل على إطلاق اللسان في أعراض الناس، ورُبَّ عبد خير من حر، وأتقى لله منه، فكيف يُجعل عرضه فكاهة يسـيء إليه من شاء دون رادع يردعه، أو زاجر يزجره.
تنبيه:
اشترط جمهور الفقهاء ألا يكون القاذف أصلًا للمقذوف، فلو قذف الأب ابنه، أو الجد حفيده؛ فلا حد عليه، قالوا: لأنه ليس من البر أن يقيم الولد حد القذف على أبيه، وقد قال تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسـراء:23]، ولأن الوالد لا يقتص منه في جنايته على ابنه، فكذلك لا يُحد بقذفه.
وذهب بعض العلماء، وهم الظاهرية، وقول عند المالكية، ومذهب عمر بن عبد العزيز؛ إلى أن الأب يُحد بقذف ابنه؛ لعموم الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ [النور:23]، دون تخصـيص، ولأن الله أوجب الشهادة بالقسط على النفس والأقربين، فدخل في ذلك في باب الحدود.
ثالثًا: شـروط تتعلق بالقذف:
يشترط في القذف أن يكون بصـريح الزنا، كأن يقول: يا زانية، أو يا زانٍ أو نحو هذه العبارات التي يفهم منها التصـريح بالزنا، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
واختلفوا إذا قذف بلفظ غير صـريح كالتعريض أو الكناية، فالكناية كقوله: «يا قحبة»؛ لأنه قد يقصد بها المرأة العجوز، وتطلق على السعال، وتطلق على الزانية، وهذا ما قرره الفقهاء، لكن رجح الشـيخ ابن عثيمين أن العرف الآن في زماننا أنها صـريحة وليست كناية.
ومثال التعريض أن يقول في المشاتمة: أنا لست بزان، أي: يعرض بصاحبه أنه زان، والذي يترجح أن يُحد مَن عرَّض إذا فُهم منه القذف فهمًا واضحًا لا لبس فيه، وربما كان التعريض أنكى في القذف من التصـريح، وهذا ما ثبت عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، فروى عبد الرزاق أن رجلًا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما أمي بزانية، ولا أبي بزان، قال عمر: «ماذا تريدون؟ قالوا: رجل مدح نفسه، قال: بل انظروا؛ فإن كان بالآخر بأس فقد مدح نفسه، وإن لم يكن به بأس فلم قالها؟ فوالله لأحدنه، فحده»[2].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن عمر كان يحد في التعريض بالفاحشة»[3].