فروع في النظر والمس والخلوة والاستئذان:
(1) يباح النظر عمومًا عند الضـرورة:
فيباح نظر الرجل إلى المرأة والعكس عند الخطبة، وعند العلاج، وأمام القاضـي، والشاهد، ويشترط أن تقدر الضـرورة بقدرها؛ ففي الخطبة مثلًا لا يزاد عن موضع الحاجة؛ كالنظر إلى الوجه والكفين.
وعند أحمد: يجوز النظر إلى الرقبة والشعر والقدم[1]، وعند العلاج يشترط وجود المحرم، ويشترط عدم وجود طبيبة مسلمة، فإن لم توجد فطبيبة غير مسلمة، ولا يكشف إلا قدر الحاجة، وأن يكون هناك ضـرورة للعلاج.
وقد توسع الناس في هذا الزمان بكشف النساء عند الرجال حتى في كشف العورات المغلظة كالفرجين، وكذلك عمَّ البلاء في المستشفيات؛ بجعل الممرضات يكشفن عن عورات الرجال والعكس، وهذه من المنكرات التي ينبغي تغييرها من ولاة الأمور وممن لهم في ذلك وجاهة؛ كمديري المستشفيات والأطباء وغيرهم، مع مراعاة أحوال الضـرورة، وتقديرها بقدرها، والله المستعان.
ومن الضوابط أنه عند الشهادة إذا عرفها الشاهد وهي بالنقاب لا يحتاج الأمر إلى الكشف.
(2) لا يعني إباحة النظر فيما سبق إباحةَ المس:
فلا يحل مصافحة المرأة؛ لما ثبت في الحديث: «واليدان تزنيان، وزناهما البطش»[2]، وفي رواية: «اللمس».
وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يضـرب رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»[3].
(3) يحرم الخلوة بالمرأة الأجنبية:
فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدخولَ على النساء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو، قال: «الحمو الموت»[4]. ومعنى «الحمو»: أقارب الزوج.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم»[5].
قال القرطبي في (المفهم): (المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، أي: فهو مُحرَّم معلوم التحريم، وإنما بالغ في الزجر عنه وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لإلفهم لذلك حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة، فخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت، أي لقاؤه يفضـي إلى الموت، وكذلك دخوله على المرأة قد يفضـي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقها عند غَيْرة الزوج، أو إلى الرجم إن وقعت الفاحشة)[6].
قلت: فعلى هذا يحرم الجلوس مع المرأة إلا مع وجود المحرم، ومعنى «المحرم»: كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها[7].
(4) ولكن هل يجوز أن يدخل رجل على مجموعة نساء؟ وكذلك هل يجوز دخول أكثر من رجل على امرأة؟
قال النووي: (وإذا دخل رجل على مجموعة من النسوة وهن محجبات، ويبعد التواطؤ على الفاحشة، والفتنة مأمونة جاز، والله أعلم)[8]، فهذا جواب عن السؤال الأول، وأما الثاني فقد ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة، إلا ومعه رجل أو اثنان»[9]، و«المُغِيبة»: التي غاب زوجها.
قال النووي: (ثم إن ظاهر الحديث جواز خلوة الرجلين والثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا: التحريم، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة؛ لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك، وقد أشار القاضـي إلى نحو هذا التأويل)[10].
قلت: ومما يؤيد ذلك دخول النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما منزل الأنصاري أبي الهيثم بن التيهان وزوجها غير موجود[11]. قال النووي: (وفيه جواز سماع كلام الأجنبية، ومراجعتها الكلامَ للحاجة، وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علمًا محققًا أنه لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة)[12].
قلت: ينبغي أن يراعى -حيث قيل بالجواز- أن تكون المرأة في كامل حجابها، وأن تكون هناك حاجة وضـرورة للدخول عليها، وألا يكون هناك شبهة فتنة، وأما إذا كان مجيء الضـيوف انتظارًا لزوجها، فيكونون في مكان منعزل مع مراعاة الشـروط السابقة، وحبذا لو كانت غرفة الضـيوف مفردة، وعلى كل فلا بد من أمن الفتنة.
وأما ما يحدث من المسامرة والمضاحكة، والجلوس أمام شاشات التليفزيون وغيره، حتى يأتي صاحب البيت؛ فهذه من المنكرات التي عمت وطمت، ونسأل الله السلامة.
(5) يجوز أن تكلم النساء الرجال للحاجة والضـرورة والعكس:
ولا بد من مراعاة الضوابط الشـرعية؛ من عدم اللين في القول، وعدم التكشف أمام الرجال والاختلاط بالرجال والكلام الذي لا فائدة فيه؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ [الأحزاب:53]. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين.
(6) يجب الاستئذان حتى في الدخول على الأم والأخت وغيرهما من ذوي المحارم.
قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ﴾ [النور:58]، ثم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [النور:59]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فالإذن واجب على الناس كلهم.
قال ابن كثير: (هذه الآية الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض)[13].
وقد ثبت أن رجلًا جاء إلى ابن مسعود؛ قال: أأستأذن على أمي؟ فقال: «ما على كل أحيانها تحب أن تراها»[14]. وثبت نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما [15].