حجم الخط:

من أحكام الوليمة:

(1) يستحب أن يدعو إلى الوليمة أهل الصلاح؛ سواء كانوا أغنياء أم فقراء، ولا يخصها بالأغنياء؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: «شـر الطعام طعام الوليمة؛ يدعى لها الأغنياء، ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصـى الله ورسوله»[1]. ومعنى «شـر الطعام» أي: إذا كان بهذا الحال: أن يُدعى الأغنياء، ويترك الفقراء.

(2) تقدم أن الراجح وجوب إجابة وليمة العرس، وقد اختلف العلماء في إجابة وليمة غير العرس؛ فذهب بعضهم إلى الوجوب؛ لعموم رواية حديث ابن عمر عند (مسلم) بلفظ: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب؛ عرسًا كان أو نحوه»[2]، فأخذ بظاهر الحديث بعض الشافعية، وهو مذهب الظاهرية، وأيَّده الشـيخ الألباني في (آداب الزفاف)، وذهب جمهور العلماء إلى استحبابه، ولكن رواية ابن عمر السابقة تؤيد رأي القائلين بالوجوب، والله أعلم.

(3) ينبغي إجابة الدعوة ولو كانت الدعوة على شـيء قليل؛ فإن في ذلك جبرًا لقلب أخيه، وجلبًا للمحبة بين المسلمين؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لو دُعيتُ إلى كُراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ كراع لقبلت»[3]. و«الكراع»: مستدق الساق من اللحم، وهو أقل شـيء قيمة في الشاة.

(4) لا يلزم من إجابة الدعوة أن يطعم إن كان صائمًا؛ لما ثبت في حديث جابر عند (مسلم): «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك»[4]؛ وجاء مصـرحا عند ابن ماجه: «إذا دعي إلى طعام وهو صائم».

وأما إن كان مفطرًا فيجب عليه أن يطعم ما لم يكن هناك عذر؛ لما ثبت في إحدى روايات ابن عمر: «فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليدع»، وفي حديث أبي هريرة، «فليُصلِّ» ومعناه: فليدْعُ[5].

(5) تبين مما سبق أنه إن كان صائمًا فليصلِّ، أي فليدع، هذا إذا أراد إتمام صومه، علمًا بأنه يجوز له الفطر، لكن هل الأفضل أن يفطر أو لا؟ فيه خلاف بين العلماء، والذي أراه جواز الفطر وتركه، حسب ما يتعلق بالحال؛ فإن كان صاحب الدعوة تكلَّف له، وكان إتمام صومه يشق عليه، أفطر، وإن كان لا يشق عليه دعا له؛ وذلك لما ثبت في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: صنعت لرسول الله ﷺ طعامًا، فأتى هو وأصحابه، فلما وضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ: «دعاكم أخوكم، وتكلف لكم»، ثم قال: «أفطر، وصم مكانه يومًا إن شئت»[6]، وقد حمل العلماء ذلك على صوم النفل، وأما صوم الواجب فإنهم رأوا أن يتم صومه ويدعو لأهل الوليمة.

(6) يستحب لمن حضـر الدعوة أن يدعو لصاحبها ولزوجه بالخير والبركة، وقد ورد في السنة أدعية؛ نذكر منها:

(أ) عن عبد الله بن بسـر رضي الله عنه أن أباه صنع للنبي ﷺ طعامًا، فدعاه فأجابه، فلما فرغ من طعامه قال: «اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وبارك لهم فيما رزقتهم»[7].

(ب) في حديث المقداد بن الأسود -في حديث طويل- دعا النبي ﷺ: «اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني»[8].

(جـ) عن أنس في زيارته ﷺ لسعد بن عبادة قال: «فقرب إليه زبيبًا، فأكل نبي الله ﷺ، فلما فرغ قال: «أكل طعامكم الأبرارُ، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون»[9].

تنبيه: تقع أخطاء من البعض عند ذكر هذا الدعاء، أحببت التنبيه عليها:

منها: يزيد بعضهم زيادة «وذكركم الله فيمن عنده»، وهي غير واردة في الحديث.

ومنها: يمزح البعض فيقول: «وصلت عليكم الملائكة إلا جبريل»، وهذا لا يليق بالآداب عند ذكر الأدعية، وإنما يدعى بالإخلاص وحضور القلب، لا باللهو والمزاح الباطل.

ومنها: يخطئ البعض (لغة) في قوله: «أكل طعامكم..» فيقول: (طعامُكم) بضم الميم، وهذا خطأ، والصحيح أن يقولها بالفتح.

(د) ما دعا به رسول الله ﷺ لعلي ليلة بنائه: «اللهم بارك فيهما، وبارك لهما في بنائهما»[10].

(هـ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا رفَّأ الإنسان إذا تزوج قال: «بارك الله لك، وبارك الله عليك، وجمع بينكما في خير»[11].

ومعنى «رفأ» أي: دعا في موضع قولهم: (بالرفاء والبنين)، وكانت كلمة يقولها أهل الجاهلية، فورد النهي عنها[12].

(7) والحديث المشار إليه بالنهي عن قولهم: «الرفاء والبنين» هو ما ثبت عن الحسن أن عقيل بن أبي طالب تزوج امرأة من جشم، فدخل عليه القوم، فقالوا: «بالرفاء والبنين»، فقال: لا تفعلوا ذلك -وزاد في رواية: فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك- قالوا: فما نقول يا أبا زيد؟ قال: قولوا: «بارك الله لكم، وبارك عليكم»، إنا كذلك كنا نؤمر[13].

قلت: والعلة في النهي أنها من عمل الجاهلية، ولأن فيها تخصـيص بالبنين، وقد يشكل على هذا النهي عن «الرفاء»؛ فإنه بمعنى الائتلاف والإتمام، وجواب الإشكال: أنه قد يكون ائتلاف وإتمام ليس فيه خير، فكم من أقوام يأتلفون على باطلهم، وأما الدعاء بالبركة فهو شامل لكل خير، والله أعلم.

(8) يرد على ألسِنة البعض في الدعاء قوله: (مبروك)، والأصح أن يقال: (مبارك)؛ لأنها من بارك، أما (مبروك) فهي من البروك، وأصله على أحسن أحواله: الثبات، فتكون على هذا المعنى شبيهة بقولهم: «بالرفاء»، فتكون من المنهي عنه.

(9) يجوز أن يخص أناسًا معينين بالدعوة، وله أن يعم؛ لما ثبت من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ أمره أن يدعو الناس، وقال أنس: ثم أمرني فقال: «ادع لي رجالًا» سمَّاهم، «وادع لي من لقيت»[14].

(10) ولا يدعو صاحب الوليمة إلى وليمته من سـيأتون على معصـية، أو يفعلون المعاصـي، وليس في هذا عقوق ولا قطع للأرحام[15].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة