المسألة الأولى: إذا ترك بعض الركعات وسلم، ثم (تيقن) بعد الصلاة أنه ترك ركعة أو ركعتين أو ثلاثًا سهوًا؛ فإنه يأتي بهذه الركعات التي تركها (إذا لم يطل الفصل)، وسواء في ذلك ما إذا تكلم بعد السلام، وخرج من المسجد، واستدبر القبلة ونحو ذلك أو لا، ويكون سجود السهو في هذه الحالة (بعد السلام)؛ لما تقدم من الأحاديث عن أبي هريرة وعمران رضي الله عنهما.
وأما إذا طال الفصل، وتذكر بعد مدة (استأنف الصلاة وأعادها)[1]، وعند مالك: يبني -أي يكمل صلاته- ما لم ينتقض وضوءُه. هذا فيما إذا تيقن بعد السلام، وأما إذا (شك) في تركها بعد السلام، ففيه خلاف، ورجَّح النووي أنه لا أثر للشك بعد السلام[2].
المسألة الثانية: إذا ترك ركنًا في الصلاة، كأن يسجد سجدة واحدة ويقوم للثانية، أو يترك ركوعًا أو اعتدالًا، ثم تذكر بعد قيامه للركعة التي تليها؛ فالذي نص عليه الإمام أحمد أنه إن شـرع في القراءة، بطلت الركعة التي ترك ركنها، وصارت التي شـرع فيها مكانها.
وأما إذا تذكر ولم يشـرع في القراءة؛ فإنه يرجع إلى الركن الذي تركه، ويبني عليه بقية صلاته، وفي المسألة خلاف عند الشافعية.
المسألة الثالثة: إذا شك فلم يدر كم صلى، فله حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون عنده غلبة ظن، فإذا شك مثلًا هل صلى ركعتين أم ثلاثًا، فقد يغلب على ظنه أنها اثنتان، وقد يغلب على ظنه أنها ثلاث، ففي هذه الحالة (يتحرى الصواب)؛ أي ما غلب على ظنه؛ هل هما اثنتان أو ثلاثة؟ ويعمل بما غلب على ظنه، ثم يسجد سجدتين بعد السلام.
الحالة الثانية: أن يستوي عنده الشك ولا يغلب على ظنه شـيء، ففي هذه الحالة يبني على الأقل؛ فإذا شك هل صلى ركعتين أو ثلاثًا؟ جعلهما اثنتين؛ لأن ذلك هو اليقين، ثم يسجد سجدتين قبل السلام؛ وذلك لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
المسألة الرابعة: إذا ترك واجبًا من واجبات الصلاة: لا يلزمه الإتيان به، لكنه يسجد للسهو[3].
المسألة الخامسة: إذا نسى سنة من سنن الصلاة[4]: لا شـيء عليه، وليس عليه سجود سهو، ولا يجب عليه الرجوع للإتيان بها، فإن عاد إليه، فقد قال النووي رحمه الله: (بطلت صلاته إن كان عامدًا عالمًا بتحريمه، فإن كان ناسـيًا أو جاهلًا لم تبطل)[5].
المسألة السادسة: إذا سها الإنسان في غير هذه المواضع السابقة: كأن يقوم في موضع جلوس، أو العكس، أو يجهر في موضع إسـرار، أو العكس، أو صلى خمسًا، أو زاد عدد السجدات؛ فكل ذلك يسجد له للسهو، واختلفوا: هل يسجد قبل السلام أو بعده، والأمر فيه واسع؛ لأنه لم يرد نص يحدد موضع سجود السهو في مثل هذه الأمور.
وقد أورد الشوكاني رحمه الله ثمانية أقوال في موضع سجود السهو، ثم قال: (وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضـيه أقواله وأفعاله ﷺ من السجود قبل السلام وبعده؛ فما كان من أسباب السجود مقيدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيدًا بعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقيده بأحدهما كان مخيرًا بين السجود قبل السلام وبعده، من غير فرق بين الزيادة والنقصان)[6]. وهذا الذي أشار إليه الشوكاني ورجحه هو معنى كلام الإمام أحمد.
وبناءً على هذا فالذي ورد فيه السجود قبل السلام ما يلي:
(أ) إذا شك فلم يدر كم صلى.
(ب) إذا قام دون أن يجلس للتشهد الأوسط.
والتي ورد فيها السجود بعد السلام ما يلي:
(أ) إذا سلم قبل أن يتم الصلاة، وقد ترك بعض ركعاتها.
(ب) إذا زاد ركعة في الصلاة (وفيها خلاف)[7].
(جـ) إذا تحرى في عدد الركعات، وصلى على غالب ظنه.
وأما عدا هذا فالمصلي مخير فيه بين أن يسجد قبل أو بعد السلام؛ لأنه لم يرد فيه تقييد.
المسألة السابعة: إذا أتى بشيء من المنهيات:
(أ) فإن كانت (المنهيات) مما لا يبطل بعمدها الصلاة؛ كالنظر إلى ما يلهي، ورفع البصـر إلى السماء، وكفت الثوب والشعر، ومسح الحصـى، والتثاؤب، والعبث بلحيته وأنفه، ونحو هذا؛ فلا يجب عليه شـيء إن فعل من ذلك شـيئًا سهوًا.
(ب) ما كان من المنهيات وتبطل بعمده الصلاة؛ كالكلام، والركوع والسجود الزائد، فإن فعل من ذلك شـيئًا سهوًا سجد للسهو[8].
المسألة الثامنة: في التشهد الأوسط:
(أ) إذا ترك التشهد الأول وقام حتى انتصب تمامًا، فلا يجوز له العود إلى القعود، وأما إذا تذكر في أثناء تحركه وقبل أن يستتم قيامه، فإنه يعود إلى جلوسه للتشهد؛ وذلك لحديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس؛ فإن لم يستتم قائمًا فليجلس، وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائمًا فليمض في صلاته، وليسجد سجدتين وهو جالس»[9].
وعلى هذا، فلو عاد بعد قيامه كاملًا بطلت صلاته، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء. قال النووي رحمه الله: (فإن عاد متعمدًا عالمًا بتحريمه بطلت صلاته، وإن عاد ناسـيا لم تبطل، ويلزمه أن يقوم عند تذكره، ويسجد للسهو)[10] وأما إن عاد جاهلًا ففيه خلاف.
(ب) (إذا علم المأمومون بتركه التشهد الأول بعد قيامه، وجب عليهم أن يتابعوه؛ لما تقدم من حديث ابن بحينة بأنه ﷺ أشار إليهم بالقيام عندما سبحوا به.
(ج) ولا يجوز للمأموم أن يتخلف عن إمامه للتشهد، فإن فعل بطلت صلاته. ولو انتصب مع الإمام فعاد الإمام للتشهد، لم يجز للمأموم العود، بل ينوي مفارقته، فلو عاد مع الإمام عالمًا بتحريمه بطلت صلاته وإن عاد ناسـيا أو جاهلًا لم تبطل.
(د) ولو قعد المأموم فانتصب الإمام ثم عاد، لزم المأمومَ القيامُ؛ لأنه توجه عليه -يعني القيام- بانتصاب الإمام)[11].
(هـ) هذا كله إذا انتصب الإمام، وأما إذا لم ينتصب؛ فقد قال ابن قدامة رحمه الله: (فأما إن سبحوا به قبل قيامه ولم يرجع، تشهدوا لأنفسهم، ولم يتبعوه في تركه؛ لأنه ترك واجبًا تعين فعله عليه)[12].