ويتعلق بعقوبة القذف ما يلي:
(1) إذا قذف العبد حرًّا، فهل يحد ثمانين أو أربعين؟
الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أن الحد يتنصف بالرق كالزنا، وهذا هو الثابت عن عمر وعثمان والخلفاء؛ فعن أبي الزناد قال: سألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك، فقال: «أدركت عمر وعثمان بن عفان والخلفاء وهلم جرًّا، فما رأيت أحدًا جلد في فرية أكثر من أربعين»[1].
(2) هل تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب؟
ذهب جمهور العلماء إلى القول بقبول شهادته إذا تاب، وجعلوا الاستثناء المذكور في الآية راجعًا إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور:4]؛ أي: أنهم إذا تابوا قبلت شهادتهم، ورفع عنهم صفة الفسق.
ويؤيد ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل شهادة نافع وشبل لما تابا في قذفهما للمغيرة بن شعبة، ولم يقبل شهادة أبي بكرة؛ لأنه لم يتب[2]. وكيف لا تقبل توبته ومعلوم أن من أصول الشـريعة أن من تاب تاب الله عليه؟
وخالف في ذلك الحنفية؛ فرأوا أنه لا تقبل شهادته حتى لو تاب، وحملوا الاستثناء على آخر جملة في الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾.
قلت: والراجح من ذلك قول الجمهور لما علمت من قوة أدلتهم، وفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحضـرة الصحابة دون أن ينكر عليه أحد.
(3) كيف يتوب القاذف؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
الأول: أن يكذب نفسه فيما قاله؛ وهذا مذهب الشافعي وأحمد؛ لأن ذلك ضد الذنب ليرتفع عن المكذوب العار الذي ألحقه به.
الثاني: الندم والإصلاح، وإن لم يكذب نفسه، وهذا مذهب مالك.
والصحيح هو القول الأول، ولا يقال: كيف يكذب نفسه، وقد يكون رأى فعل الزنا حقيقة ولكنه لم يستطع أن يأتي بأربعة شهداء؟
وقد أجاب ابن القيم رحمه الله- بما محصله: أن الكذب يراد به أمران: إما الخبر غير المطابق لمخبره، وإما الخبر الذي لا يجوز الإخبار به، وإن كان في حقيقة الأمر مطابقًا باعترافه بتكذيب الله له؛ حيث لم يأت بأربعة شهداء. والله أعلم.
(4) إذا كان القاذف هو الزوج:
وليس معه شهود؛ جاز له اللعان، كما تقدم حكمه في أبواب الطلاق والفرقة بين الزوجين.
(5) إذا جاء القاذف بالشهود:
أقيم حد الزنا على المقذوف، فإن لم يأت بهم أقيم على القاذف.
(6) اختلف العلماء إذا قذف شخصٌ جماعة:
فيرى بعضهم أنه يُحد حدًّا واحدًا؛ وهو قول الجمهور، ويرى بعضهم أنه يحد لكل واحد حدًّا، وهذا مذهب أحمد والشافعي في قول له.
والراجح قول الجمهور؛ لأن الله قال: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ﴾، ولم يفرق بين واحد أو جماعة، ولأن هلال بن أمية قذف امرأته بشـريك بن سحماء فقال النبي ﷺ: «البينة، أو حد في ظهرك». ولم يقل له: أو حدان. (انظر كتاب اللعان).