حجم الخط:

1- المسـاقـاة:

معنى المساقاة:

لغة: من السقي.

وشـرعًا: دفع الشجر لمن يقوم بسقيه وبتعهده، حتى يبلغ تمام نضجه، نظير جزء معلوم من ثمره. فالمساقاة إذن شـركة زراعية تشبه شـركة المضاربة.

دليل مشروعيتها:

المساقاة مشـروعة؛ بالسنة، والقياس الصحيح:

أما (السنة): فعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع»[1].

وروى البخاري أن الأنصار قالت للنبي ﷺ: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا»، فقالوا: تكفونا المئونة ونشـرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا[2].

وأما (القياس): فلأن ذلك من المصلحة، وحاجة الناس لذلك.

وصورة المساقاة: أن يدفع إليه الشجر، ويقوم الآخر بالسقي وتعهد الشجر حتى يثمر، فيقسم الثمر بينهما حسب ما اتفقا، على نسبة شائعة معلومة.

حكمها:

ذهب الحنابلة إلى أنها عقد جائز من الطرفين؛ يعني: يملك كل من المتعاقدين فسخه دون رضا الآخر. وذهب جمهور العلماء إلى أنها عقد لازم بين الطرفين؛ فليس لأحد الطرفين فسخ العقد ما لم يتراضـيا[3].

مهمة المساقي:

بيَّن النووي وظيفة عامل المساقاة، فقال: (عليه كل ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر، واستزادته، مما يتكرر كل سنة؛ كالسقي، وتنقية الأنهار، وإصلاح منابت الشجر، وتلقيحه، وتنحية الحشـيش والقضبان عنه، وحفظ الثمرة، وجذاذها، ونحو ذلك. وأما ما يقصد به حفظ الأصل، ولا يتكرر كل سنة؛ كبناء الحيطان وحفر الأنهار؛ فعلى المالك)[4].

قلت: والدليل على أن العامل عليه كل ما يتعلق بإصلاح الثمر أن الرسول ﷺ عامل أهل خيبر على أن «يعملوا فيها بأموالهم»، فدل على أن كل ذلك عليهم من أموالهم، إلا أن يتبرع صاحب الأرض، فذلك حسن.

أحكام المساقاة:

(1) لا يجوز أن يحدد له الربح كمية من الثمر وزنًا أو كيلًا، إنما تكون على النسبة؛ كربع الثمار أو نصفها، أو نحو ذلك.

(2) لا يجوز كذلك أن يحدد لأحدهما ثمار نخل معين، بل يكون جميع الثمار على المشاع، وتقسم حسب النسبة المتفق عليها؛ فعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: «كنا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يُكري أرضه فيقول: هذه القطعة لي وهذه لك، فربما أخرجت ذه ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ»[5].

(3) الراجح أن المساقاة تصح؛ سواء كان الشجر مما يثمر أو لا، وسواء كان الثمر مما يؤكل أو لا، وإذا كان الشجر مما ينتفع بأغصانه، فالفائدة إذن حاصلة من الطرفين.

(4) تصح المساقاة؛ سواء كان الشجر قد غرس بالفعل، فيسقيه له ويتعاهده، أو كان الشجر لم يغرس، فيغرس له ويسقيه ويتعاهده، وسواء كانت الشجرة التي غرست لم تثمر، فيتعاهدها إلى أن تثمر وتجذ ثمرتها، أو كانت قد بدأت في الثمرة، فاحتاج صاحب الشجر إلى من يسقيها ويتعاهدها، فيعامله على ذلك.

(5) إذا هرب العامل قبل أن يتم عمله؛ فعلى مذهب الحنابلة أن لصاحب الأرض الحق في فسخ العقد؛ لأن العقد غير لازم، وعلى مذهب الجمهور أنه عقد لازم؛ يرفع أمره للحاكم فيستأجر الحاكم من يتم العمل من مال العامل، وإن لم يتمكن من رفع أمره للحاكم، أشهدَ على العمل بنفسه أو الإنفاق عليه؛ لأن الإشهاد حال العذر كالحكم، هذا فى حالة أنه تمسك بحقه في العقد، وأما إن تبرع وأتم العمل متبرعًا فإن العامل يستحق أجرة عمله.

(6) إذا فسدت المساقاة لسبب يستوجب فساد العقد، كان الثمر كله لصاحب الأرض، وللعامل أجرة المثل.

(7) يجوز أن يكون عقد المساقاة مطلقًا دون أن يقيد بعدد من السنين، وفي هذه الحالة يجوز لصاحب الأرض إخراج العامل متى شاء، واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر وقال لهم: «نقركم ما شئنا». قال ابن حجر: (فيه دليل على جواز دفع النخل مساقاةً، والأرضِ مزارعةً من غير ذكر سنين معلومة، فيكون للمالك أن يخرج العامل متى شاء)[6].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة