حجم الخط:


19- رمي الجمرة الكبرى:

ويقال لها: «جمرة العقبة»، فيرمي في هذا اليوم هذه الجمرة فقط بسبع حصـيات؛ اقتداء برسول الله ﷺ، ويتعلق بذلك أمور:

أ - حكم الرمي:

الراجح من أقوال أهل العلم أن رمي جمرة العقبة واجب، وقد ذهب بعضهم إلى أنه سنة، وبعضهم إلى أنه ركن. قال الشوكاني رحمه الله: (والحق أنه واجب؛ لما قدمنا من أن أفعاله ﷺ بيان لمجمل واجب، وهو قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، وقوله ﷺ: «خذوا عني مناسككم»)[1].

ب - صفة الرمي:

يستقبل الجمرة، ويجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه إن أمكن[2]، فيرميها بسبع حصـيات، ويكبر مع كل حصاة، ويقطع التلبية عند رمي الجمرة. قال الحافظ رحمه الله: (أجمعوا على أن من لم يكبر لا شـيء عليه). واعلم أن الجمرة عبارة عن عمود يحيط به «حوض» أي (مكان مجوف)، والمقصود أن تقع الحصـيات في هذا المرمى (الحوض)، وليس المقصود أن تضـرب العمود القائم.

جـ - صفة الحصـى التي يرمى بها:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصـى»، فالتقطت له سبع حصـيات، هن حصـى الخَذْف، فجعل ينفضهن في كفيه، ويقول: «أمثال هؤلاء فارموا»، ثم قال: «أيها الناس، إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»[3]. «وحصـى الخَذْف»: حصـى صغار أكبر من الحمصة قليلًا.

د - وقت الرمي:

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أُبَيْنِيَّ، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس»[4].

وعن عبد الله مولى أسماء، عن أسماء رضي الله عنها، أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني: هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بنى: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضـينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منى، فقلت لها: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غَلَّسنا، قالت: يا بني، إن رسول الله ﷺ أذن للظعن»[5]. والمقصود بـ«الظُّعُن» النساء والضعفة، ومعنى «غلسنا» أي: سـرنا في وقت الظلام.

قال الشوكاني رحمه الله: (والأدلة تدل على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة كالنساء وغيرهن من الضعفة جاز قبل ذلك، ولكنه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعًا)[6]. يعنى لا يكون الرمي إلا بعد الوقت الذي أذن للضعفة بالدفع، وذلك بعد غيبوبة القمر، هذا بالنسبة للضعفة، وأما غيرهم فبعد طلوع الشمس.

وقال ابن القيم رحمه الله: (ثم تأملنا، فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث؛ فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، وأما من قدَّمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس؛ للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحَطْمهم، وهذا الذي دلت عليه السنة؛ جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كِبَر يشق عليه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك)[7].

واعلم أن وقت الرمي يمتد إلى آخر نهار يوم النحر؛ فمن رماها قبل الغروب من يوم النحر فقد رمى الجمرة في وقتها، وأما إن فات ولم يرمها حتى غربت الشمس، فقد اختلف أهل العلم في ذلك اختلافًا كثيرًا، والراجح أنه يجوز له أن يرميها بالليل؛ لما ثبت عند البخاري أن النبي ﷺ سأله رجل فقال: رميت بعدما أمسـيت؟ فقال: «لا حرج»[8]، قالوا: قد صـرح النبي ﷺ بأن من رمى بعدما أمسـى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق على جزء من الليل.

هـ - أخطاء في رمي الجمرات:

(1) تقدم أنه لم يثبت أخذ الحصـى من المزدلفة، وكذلك لم يثبت أنه يلتقط جميع الحصـيات التي سـيرمي بها في أيام منى، بل يكفيه أن يلتقط كل يوم عدد الحصـيات التي سـيرمي بها ذلك اليوم.

(2) لم يشـرع غسل الحصـيات وتطييبهن؛ فإن ذلك بدعة.

(3) رمي الحصـيات يكون واحدة بعد الأخرى، فلو ألقاها جميعًا دفعة واحدة لا تجزئ إلا عن واحدة.

(4) الراجح أنه يجوز أن يرمي بحصاة رمى بها قبل ذلك، إذ لا دليل يمنع من هذا.

(5) المقصود من الرمي وقوع الحصاة في المرمى، وهو الحوض الذي حول العمود، سواء ضـربت العمود أو لم تضـرب، وسواء كانت من الطريق السفلى أو من أعلى فوق الكبري الذي أنشأته السلطات السعودية.

(6) لا يشترط رفع اليد بصفة معينة وقت الرمي، بل حسب ما تيسـر له.

(7) لا يجزئ الرمي بغير الحصـى ولو كان شـيئًا ثمينًا.

(8) من البدع رمي العوام الجمرة بالنعال والأحجار مع السب للشـيطان ونحو ذلك.

(9) ليس هناك دعاء زائد على التكبير عند رمي الجمرة؛ كقولهم: بسم الله، والله أكبر، وصدق الله وعده... إلخ، فكل هذا من البدع.

(10) إذا انتهى من رمي الجمرة يوم النحر انصـرف، ولا يقف للدعاء اقتداء بفعله ﷺ؛ كما في حديث جابر المتقدم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة