الأعذار المبيحة لترك الجماعة والجمعة:
فمتى لحق المريض مشقة من ذهابه للجمعة والجماعة أبيح له ترك الحضور؛ قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن:16]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، إن كان المريض ليؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف»[1].
ثانيًا: مدافعة الأخبثين (البول والغائط):
لقوله ﷺ: «لا صلاة بحضـرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»[2].
ثالثًا: حضور الطعام وهو محتاج إليه:
للحديث السابق، ولقوله ﷺ: «إذا حضـر العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب»[3]. ويبدأ بالطعام حتى لو سمع النداء أو الإقامة، فقد كان ابن عمر يسمع قراءة الإمام وهو يتعشـى[4]. واعلم أن الرخصة عامة؛ فله أن يأكل حتى يشبع، ولا يقال له: كل بمقدار أن تكسـر نهمتك[5]، ويشترط لهذا أن لا يتخذ ذلك عادة بحيث لا يقدم الطعام إلا إذا قاربت الإقامة؛ فإن هذا متعمد لترك الجماعة[6].
رابعًا: الخوف من ضـياع ماله أو فواته أو وقوع ضـرر فيه:
وذلك لأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال.
خامسًا: التأذي بنزول المطر أو كثرة الوحل (الطين) في الطرقات:
وكذلك بالريح الباردة، ولهذا كان منادي الرسول ﷺ ينادي في الليلة الباردة أو المطيرة: «ألا صلوا في رحالكم»[7].
سادسًا: خوف ضـياع المريض أو الميت[8]، أو الخوف على نفسه من الضـرر:
كأن يكون بينه وبين المسجد كلب عقور، أو يكون الطريق كله شوك أو قطع زجاج، وليس عنده حذاء[9]، أو يخاف من سلطان ظالم أن يحبسه أو يغرمه مالًا بظلم أو يؤذيه[10]، أو تفوته الرفقة الذين يرافقهم في سفره، وكذلك من غلبه النعاس بحيث إنه لو صلى مع الجماعة لا يدري ما يقول.
سابعًا: أن يطيل الإمام طولًا زائدًا عن السنة، فأما إذا كان التطويل في حدود السنة فلا يحل له التخلف؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم ينكر على الرجل عندما خرج من الصلاة خلف معاذ بسبب إطالته، وقد ورد في بعض رواياته: «أن الرجل تنحَّى فصلى وحده»[11].
ثامنًا: النوم أو النسـيان؛ لما تقدم في الحديث: «من نام عن صلاة أو نسـيها فليصلها إذا ذكرها، فذلك وقتها»[12].
لقوله ﷺ: «من أكل بصلًا أو ثومًا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا»[13]، وهذا وإن خرج مخرج العذر، إلا أنه في الحقيقة يمنع دفعًا لأذيته؛ لما ثبت في الحديث من تعليل النبي ﷺ لمنعه فقال: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»[14].
وعلى هذا فهل يجوز أكل البصل والثوم؟
والجواب: نعم، لكنه إن قصد بأكله أن لا يصلي مع الجماعة فهو آثم بهذا القصد، وإن قصد به التشهي فلا إثم عليه.
واعلم أن المقصود بالبصل والثوم: الذي تظهر رائحته، لكنه متى ذهبت رائحته بطبخ ونحوه فلا يلحقه هذا المنع؛ لما ثبت في الحديث أنه قال: «إن كنتم لا بد آكليهما فأميتوهما طبخًا»[15]، والله أعلم.
اختلف العلماء فيمن به بَخَر، وهو من به رائحة منتنة من الفم أو الأنف؛ هل يعذر بترك الجماعة[16]، وقد رأى الشـيخ ابن عثيمين عدم حضوره دفعًا لأذيته، ورجح الشـيخ الألباني حضوره وعدم منعه، وعلل ذلك بأن البخر غير حاصل بسببه، بخلاف الثوم والبصل، وهذا هو الراجح، والله أعلم.
إلحاق كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها بالثوم وقد نقله النووي عن العلماء وقال: (قال القاضـي: ويلحق به من أكل فجلًا وكان يتجشأ قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به من به بخر في فيه أو به جرح له رائحة).
وعارضهم ابن المنير في (الحاشـية) قال: (ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بأكل الثوم في المنع من دخول المسجد). قال: (وفيه نظر لأن آكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع والمجذوم علته سماوية).
قلت: فهو بذلك معذور فلا يمنع من الدخول ويؤيده أن المغيرة بن شعبة حين وجد عليه الصلاة والسلام منه رائحة الثوم أنكر عليه فلما أبدى له عذره -وهو أنه إنما أكله من الجوع- عذره كما سبق في الحديث السابع فالمجذوم ونحوه يعذر من باب أولى.
وقال الحافظ: (وألحق بعضهم بذلك من بفيه بخر أو به جرح له رائحة وزاد بعضهم فألحق أصحاب الصنائع كالسماك والعاهات كالمجذوم ومن يؤذي الناس إلا أنه قد يقال: إنه يجوز منع المجذوم لا لعلة الرائحة بل لأن داءه يعدي فيضـر المصلي وهو مأمور بالابتعاد عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». ولما كان تطبيق هذا الأمر يستلزم ابتعاد المصلين جميعًا أو بعضهم عن المسجد وتعطيل صلاة الجماعة أو تقليلها ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة ولذلك يقتضـي أن يمنع المجذوم من هذه الوجهة ويلحق به كل من به داء معد. والله أعلم. (الثمر المستطاب).