اختلف العلماء اختلافًا كثيرًا في تحديد المسافة التي يشـرع فيها القصـر، علمًا بأن الآيات والأحاديث أطلقت السفر، فلم تخص سفرًا من سفر. قال ابن تيمية رضي الله عنها: (وإذا كان كذلك فنقول: كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشـرع، فالمرجع فيه إلى العرف)[1].
وقال أيضًا: (ولكن لا بد أن يكون ذلك مما يُعد في العرف سفرًا، مثل أن يتزود له ويبرز للصحراء، فأما إذا كان في مثل دمشق، وهو ينتقل من قراه الشجرية من قرية إلى قرية، كما ينتقل من الصالحية إلى دمشق، فهذا ليس بمسافر، كما أن مدينة النبي ﷺ كانت بمنزلة القرى المقاربة؛ عند كل قوم نخيلهم ومقابرهم ومساجدهم، قباء وغير قباء، ولم يكن خروج النبي ﷺ إلى قباء سفرًا)[2].
قلت: يمكن أن يقال: إن أقل مسافة للقصـر ثلاثة فراسخ؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسـيرة ثلاثة أميال -أو فراسخ- قصـر الصلاة»[3]. قال الحافظ رضي الله عنها: (وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك، وأصـرحه)[4]. وإنما قلت: ثلاثة فراسخ، لأنه قد وقع شك من الراوي هل هي ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ، والأخير أحوط؛ لأنه المتيقن. ومعلوم أن الفرسخ ثلاثة أميال فتكون المسافة تسعة أميال[5].