عن طارق بن شهاب رضي الله عنه قال: «أخرج مروان المنبر في يوم عيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنة؛ أخرجت المنبر في يوم عيد، ولم يكن يخرج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة»[1]. ففي هذا الأثر دليل على أنه لا يخرج المنبر لخطبة العيد. ومما يستفاد من هذا الحديث أن الخطبة بعد الصلاة، وقد تقدم شـرح ذلك.
لم يثبت حديث صحيح يبين تكرار الخطبة يوم العيد، وإنما المعتمد في ذلك قياسها على خطبة الجمعة؛ قال الإمام النووي: (ولم يثبت في تكرير الخطبة شـيء، والمعتمد فيه القياس على الجمعة)[2]. وقد ذهب عامة أهل العلم إلى أن للعيد خطبتين، وحكى الإجماع على ذلك غيرُ واحد من أهل العلم، منهم ابن حزم في المحلى[3]. ولو بحثت باستفاضة فلن تجد من قال بأن خطبة العيد خطبة واحدة -لا من أهل العلم المتقدمين ولا فقهاء المذاهب ولا غيرهم من أهل العلم- إلا ما قد يُفهَم من كلام الصنعاني بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شـيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصـرف فيقوم مقابل الناس، والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم»[4]. قال: (... وفيه دليل على مشـروعية خطبة العيد، وأنها كخطب الجمع أمر ووعظ، وليس فيه أنها خطبتان كالجمعة وأنه يقعد بينهما، ولعله لم يثبت ذلك من فعله ﷺ وإنما صنعه الناس قياسًا على الجمعة)[5]. ولكن كلامه غير صريح في نفي الخطبتين للعيد، وغاية ما فيه ثبوت ذلك بالقياس على الجمعة. ومن العلماء المعاصرين يميل الشـيخ ابن العثيمين إلى أن خطبة العيد واحدة، لكن من غير جزم بذلك؛ حيث قال: (وقوله: (خطبتين) هذا ما مشـى عليه الفقهاء رحمهم الله أن خطبة العيد اثنتان؛ لأنه ورد هذا في حديث أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه نظر: «أنه كان يخطب خطبتين»، ومن نظر في السنة المتفق عليها في الصحيحين وغيرهما تبيَّن له أن النبي ﷺ لم يخطب إلا خطبة واحدة، لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهنّ، فإن جعلنا هذا أصلاً في مشـروعية الخطبتين فمحتمل، مع أنه لا يصح؛ لأنه إنما نزل إلى النساء وخطبهنّ لعدم وصول الخطبة إليهنّ، وهذا احتمال)[6].
فالراجح القول بأنها خطبتان قياسًا على الجمعة، واعتمادًا على أن ذلك قول عامة فقهاء الأعصار والأمصار، وأن الإجماع على ذلك قد حكاه بعض أهل العلم.
قال شـيخ الإسلام ابن تيمية: (لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه افتتح خطبة بغير الحمد، لا خطبة عيد، ولا خطبة استسقاء، ولا غير ذلك)[7].
وأما الحديث الوارد في أنه كان يفتتح خطبة العيد بالتكبيرات، فهو حديث ضعيف منقطع، رواه ابن أبي شـيبة (2/190)، وكذلك أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة، رواه ابن ماجه، وسنده ضعيف.
عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فلما قضـى الصلاة قال: «إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب»[8]. فدل ذلك على أن الاستماع لخطبة العيد سنة وليس فرضًا، والأولى الحضور والانتفاع بالموعظة، وإظهار شعيرة الاجتماع.
(1) ليس في الإسلام إلا عيدا الفطر والأضحى، وأما ما أحدثه الناس من أعياد أخرى فلا تشـرع؛ كأعياد الميلاد، والأعياد الوطنية والقومية، وعيد مولد النبي، وعيد رأس السنة... ونحو هذا.
(2) لا يشـرع في العيد زيارة المقابر، بل هذا مخالف لما يشـرع في العيد من البهجة والسـرور.
(3) الاجتماع يوم عرفة في المساجد في الأمصار والقرى للدعاء من المحدثات، قال ابن عثيمين رحمه الله: (إنه من البدع)[9].
(4) من المخالفات اعتقاد بعض الناس أن إحياء ليلة العيد مستحب، ويوردون على ذلك حديث: «من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»، وهو حديث موضوع.
(4) من المنكرات في الأعياد: ما يقع من الاختلاط، والتبرج، وسماع الأغاني، والتزين للعيد بحلق اللحية، والتشبه بالكفار في ملابسهم، والسفور الماجن، والإسـراف والتبذير فيما لا فائدة فيه، ونحو ذلك. نسأل الله الهداية لجميع المسلمين.
وهذا آخر ما يسـر الله لي جمعه من (كتاب الصلاة)، والحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ويتلوه إن شاء الله: (كتاب الجنائز).