حجم الخط:


زكاة الدين:

اختلفت آراء العلماء فيمن له ديون على الناس؛ هل يجب إخراج زكاتها أو لا يجب؟ على النحو الآتي:

أولًا: إذا كان الدين على مُقِر به يستطيع أداءه:

ففيه أقوال على النحو الآتي:

القول الأول: لا زكاة فيه؛ لأنه غير تام الملك، فلا تجب فيه الزكاة. قال ابن حزم رحمه الله: (إنما لصاحب الدين عند غريمه عدد في الذمة وصفة فقط، وليس له عنده عين مال أصلًا، ولعل الفضة أو الذهب اللذين له عنده في المعدن والفضة تراب بعد، ولعل المواشـي التى له عليه لم تخلق بعد، فكيف تلزمه زكاة ما هذه صفته؟)[1]، وهذا مذهب عكرمة، ويروى عن عائشة وابن عمر، وهو مذهب الظاهرية، وقول الشافعي في القديم[2]، وهو الراجح إن شاء الله.

القول الثاني: أن فيه الزكاة، ثم اختلفوا في كيفية أدائها على النحو الآتي:

(أ) يخرجها عندما يقبض الدين، فيؤدي ما مضـى من سنوات، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة.

(ب) يخرجها في الحال، كل حول وإن لم يقبضها، وهذا مذهب الشافعي.

(ج) يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة؛ وهذا مذهب سعيد بن المسـيب، وعطاء، ومذهب مالك.

ثانيًا: أن يكون الدين على معسر، أو جاحد، أو مماطل:

وقد اختلف العلماء في وجوب إخراج زكاة هذا الدين على قولين:

القول الأول: لا يجب عليه إخراجه للزكاة، وهذا رأي الحنفية والظاهرية، وهو الراجح؛ لما تقدم.

القول الثاني: يزكيه إذا قبضه، ومنهم من يرى أن يزكيه لجميع السنوات الماضـية، ومنهم من يرى أن يزكيه لسنة واحدة.

والراجح من الأقوال السابقة: أنه لا زكاة على من له دين عند آخر؛ سواء كان مقرًّا به يستطيع أداؤه، أو كان معسـرًا، أو مماطلًا، لأنه غير تام الملك. (راجع كلام ابن حزم السابق).

فروع زكاة الديون:

(1) ويلحق بذلك مؤخر المهر، والأقساط التي عند المشتري ولم تسدد بعد، ونحو ذلك؛ فإنه لا تجب فيها الزكاة حتى يقبضها ويستأنف بها الحول.

(2) إذا كان عليه دين لآخر وعنده مال تجب فيه الزكاة، فإنه يزكي ما عنده، ولا يسقط من أجل الدين الذي عليه شـيء من زكاة ما بيده، على الراجح من أقوال أهل العلم؛ لأن الزكاة تجب في المال وهو عنده، وقد حال عليه الحول، وأما الدين فهو في ذمته، ولأن السعاة الذين كانوا يذهبون لجمع الصدقات لم يأمرهم النبي ﷺ أن يسألوا أهل الزكاة: هل عليهم ديون أو لا؟ وترك الاستفصال عند الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

(3) هل يجوز إسقاط الدين عن المدين واعتباره من الزكاة؟

أي: إذا كان له عند فقير دينٌ فهل يجوز أن يسقط دينه عنه باعتباره من الزكاة؟ فيه قولان:

القول الأول: لا يجزئه؛ وهذا مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وأصح الوجهين عن الشافعية.

القول الثاني: يجزئه؛ وهو مذهب الحسن البصـري، وعطاء، ورجَّحه ابن حزم، واستدلوا بما يأتي:

(أ) أنه مأمور بالصدقة الواجبة، ولأن إبراءه من الدين يسمى صدقة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280]، فهي مواساة للفقير، وهو غارم أي: مدين.

(ب) لأنه لو دفع الزكاة إليه ثم أخذها منه جاز، فكذلك إذا لم يقبضها.

(جـ) ولأنه لو كانت له دراهم وديعة عنده ودفعها عن الزكاة، فإنه يجزئه؛ سواء قبضها أم لا. وينبغي على هذا القول أن يُعلِم المدين بإبرائه من دينه.وقيد الحسن البصـري هذا بالدين الذي يكون عن قرض، لا دين التجار. وهو تقييد حسن واعتبار جيد، وعليه فلا يصلح أن يسقط التجار ديونهم عن بعضهم باعتبارها من الزكاة.

(4) وأما إذا أعطاه الزكاة بشـرط أن يردها إليه عن دينه فإنها لا تصح اتفاقًا، ولا تسقط الزكاة، لأنه اشترط عليه ذلك، فإن نويا ذلك ولم يشترطاه أجزأه عن الزكاة وعن رد دينه.

(5) إذا ادخر مالًا لأجل بناء سكنى، أو لحج، أو أعده لزواج، أو غير ذلك، وحال عليه الحول فإنه يجب عليه زكاته.

(6) المقصود بالدين: ما ثبت في الذمة؛ كالقرض وثمن مبيع أو أجرة، أو صداق الزوجة، أو عوض الخلع الثابت للزوج. ويلحق بهذا الحكم ما إذا كان المال ضائعًا أو مسـروقًا، فإنه لا يجب عليه زكاته.

(7) إذا كان الدين حالًّا فأدَّاه، فنقص ما في يده عن النصاب، فلا زكاة عليه. وكذلك إذا كان عليه كفارة؛ ككفارة ظهار، أو يمين، أو كان عليه نذر، فقضـى ذلك، فنقص ما يملكه عن النصاب، فلا زكاة عليه.

(8) إذا نقص النصاب قبل تمام الحول فلا زكاة عليه، ولكن إن حال عليه الحول ولم يؤد الزكاة، ثم نقص -أي: بعد حلول الحول- ولو بسـرقة أو إتلاف الزكاة، فإن الزكاة واجبة عليه؛ لأنها حق الله وقد تعلَّقت بذمته، وقد قال ﷺ: «فدين الله أحق أن يقضـى»[3].

(9) إذا أبدل ما يملكه بغيره، فإن كان من جنسه فلا ينقطع الحول، وإن كان من غير جنسه انقطع الحول، فإذا أبدل مثلًا (شـياه) بـ(شـياه لا تقل عن النصاب) فالحول لا ينقطع، وإذا أبدل الشـياه ببقر، انقطع الحول واستأنف حولًا جديدًا للبقر.

إلا في عروض التجارة؛ فإن الحول لا ينقطع بإبدال المال، فإذا كان يتَّجر في سلعة، ثم عدل عنها إلى سلع أخرى، فإن النصاب لا ينقطع، لأن التجارة المقصود منها القيمة.

واعلم أن الذهب والفضة جنسان مختلفان على الراجح، فإذا أبدل الذهب بالفضة أو العكس في أثناء الحول انقطع الحول، واستأنف حولًا جديدًا.

وفى جميع ما سبق لا يجوز أن يكون المقصود بالإبدال الهرب والاحتيال عن إخراج الزكاة، فلو فعل ذلك لكان آثمًا يستحق العقوبة.

جدول 56 من مسائل زكان الأنعام ( الإبل - البقر - الغنم )

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة