ويلاحظ على أنواع النسك ما يلي:
(1) أن المتمتع إذا وصل إلى مكة، أدَّى مناسك العمرة؛ وذلك بأن يطوف ويسعى، ثم يحلق أو يقصـر شعره، ويتحلل؛ بأن يلبس ملابسه المعتادة، ويباح له ما كان محظورًا عليه بالإحرام، فإذا كان يوم التروية[1] أحرم بالحج.
(2) وأما القارن والمفرد، فإنهما إذا وصلا مكة طافا طواف القدوم وسعيا، وظلا على إحرامهما، ولم يتحللا حتى يؤديا مناسك الحج، وليس عليهما سعي آخر (أعني بين الصفا والمروة) عند أداء مناسك الحج.
(3) على المتمتع هدي؛ وهو شاة، أو سُبع بدنة أو سُبع بقرة[2]، فإذا لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ويجوز أن يصوم الأيام الثلاثة في أيام التشـريق؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لم يرخص، في أيام التشـريق؛ أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» [3].
وأما السبعة الأيام الأخرى فاختلف العلماء أين يصومها؟ فمنهم من يرى صـيامها إذا رجع إلى وطنه، وهو قول الجمهور، ومنهم من يرى بدء صـيامها إذا رجع إلى رحله؛ لأن الله قال: ﴿ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ فدل هذا على رجوعه من الحج، وبداية رجوعه من الحج إذا رجع إلى رحله، ويمتد ذلك حتى يرجع إلى وطنه، وهذا رأى قوي، لكن الأول هو الأرجح؛ لما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ: «فمن لم يجد هديًا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله»[4]. وقد فسـر ابن عباس ذلك بقوله: ﴿ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ إلى أمصاركم[5].
واعلم أن هدي التمتع واجب؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾، واختلفوا في القارن هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب؟ والأحوط الإهداء؛ إبراء للذمة[6].
(4) اعلم أن للهدي أحكامًا، يأتي بيانها إن شاء الله تعالى[7].
(5) هل يجوز تقديم ذبح الهدي بعد أداء العمرة قبل الإحرام للحج يوم التروية؟ فيه خلاف[8]. والراجح أن وقت الوجوب لا يكون إلا إذا شـرع في الحج وكان مستطيعًا للهدي، فإن لم يجد انتقل إلى الصـيام فرضًا؛ لأن الله يقول: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾، وهذا يدل على تمتعه إلى الحج، وأما قبل ذلك فلا يجب عليه شـيء، وعلى هذا فوقت الوجوب هو بداية الشـروع في الحج، لكنه لا يذبح إلا يوم النحر.
(6) الراجح في تفسـير قوله تعالى: ﴿ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة:196] أي: المقيمين بمكة، وعلى هذا فليس على هؤلاء المقيمين هذا الهدي، ولا الصوم؛ حتى لو كانوا متمتعين.
(7) إذا كان الحاج ساكنًا بحرم مكة، وأهله غير ساكنين، فهذا أيضًا عليه الهدي أو الصوم؛ لأن أهله ليسوا حاضـري المسجد الحرام.
(8) إذا لم يصم ثلاثة أيام في الحج؛ يرى بعض أهل العلم أنه يجب عليه قضاؤها، ويرى آخرون أنها تسقط عنه؛ فإن كان عن عجز فلا شـيء عليه، وإن كان عن تعمد لزمه التوبة، وفي جميع الحالات فعليه أن يصوم الأيام السبعة الأخرى.
(9) إذا شـرع في الصـيام أو صام الأيام الثلاثة، ثم وجد سعة للهدي، فإنه لا يلزمه الهدي، وليمض في صـيامه.
(10) لو أدى العمرة في أشهر الحج، ثم سافر وخرج من مكة، على أنه سـيؤدي الحج في نفس العام؛ فهل يكون متمتعًا؟
فيه خلاف، والذي رجحه ابن عثيمين رحمه الله أنه إن عاد إلى وطنه لا يصـير متمتعًا، وإن سافر إلى بلد آخر فإنه على تمتعه. وذهب ابن حزم إلى أنه يكون متمتعًا أيًّا كان؛ سواء سافر إلى بلده أو إلى غيرها، وهو الراجح؛ لعدم وجود دليل على هذا التفريق. والله أعلم. وذكر الشـيخ ابن باز أن المروي عن ابن عباس أنه ما زال على تمتعه وهذا يعارض قول عمر وابن عمر. ومما يستأنس به في هذا الباب قول النبي ﷺ وقد سئل أي الحل قال: «الحل كله» وهذا عام فكيف يقال أنه لا يحل له السفر، ومما يدل على بطلان القول بقطع التمتع أنهم اختلفوا في تحديد السفر الذي يقطع التمتع، وأيضا يقال: كيف تسقطون عنه الهدي وقد قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾.