حجم الخط:

1 - إحسان العشـرة:

قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]. قال القرطبى رحمه الله: (وهو مثل قوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ، وذلك: توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقًا في القول؛ لا فظًّا، ولا غليظًا، ولا مظهرًا ميلًا إلى غيرها)[1].

وفي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»[2].

* فمن إحسان العشـرة: طيب الكلام، وحسن الفعال والهيئات، والتغاضـي عن الهفوات.

* ومن ذلك: الاستيصاء بها خيرًا؛ لما ثبت في الحديث من قوله ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن عَوانٍ عندكم»[3]. ومعنى «الاستيصاء»: قبول الوصـية؛ فكأنه قال: أوصـيكم بهن فاقبلوا وصـيتي فيهن، أو يكون المعنى: «اطلبوا الوصـية» أي: من أنفسكم في حقهن.

* ومن حسن المعاشـرة: (مداراة المرأة)؛ قال ﷺ: «واستوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن خلقن من ضِلَع، وإن أعوج شـيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمَه كسـرته، وإن تركته لم يزل أعوج»[4].

وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسـرها، فدارها، تعش بها»[5]. ولا يعني ذلك عدم تقويم الاعوجاج، خاصة إذا تعدت حدود الله؛ قال ابن حجر رحمه الله: (يؤخذ منه أن لا يتركها على الاعوجاج إذا تعدت ما طبعت عليه من النقص إلى تعاطي المعصـية بمباشـرتها، أو ترك الواجب، وإنما يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة)[6].

والمقصود بـ«الكسـر» في الحديث: الطلاق؛ كما ورد في رواية عند مسلم: «وإن ذهبت تقيمها كسـرتها، وكسـرها طلاقها»[7].

* ومن حسن العشـرة: أنه إذا رأى منها ما يسوؤه تذكر منها ما يسـره؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يفرَك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضـي منها آخر»[8].

ومعنى «لا يفرَك» أي: لا يبغض. وهذا توجيه عظيم لتحقيق السعادة الأسـرية، بأن يتحلى كل من الزوجين بالصبر والحلم والاحتمال مع صاحبه، فليس هناك كمال لأحد، بل لا بد من نقائص في بعض الصفات، ينبغي فيها المسامحة بما يشفع لها من الصفات الحسنة، وإن من الأثرة أن يطلب الآخر أو يعتقد أن غيره لا يخطئ، مع علمه بأنه هو كثير النقص عظيم الخطأ.

* وليعلم المؤمن أن الأمور بتقدير الله، فرُبَّ شـيء يرى فيه الشـر جاءه منه الخير؛ قال تعالى: ﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19].

* تنبيه: يشـرع الكذب من أحد الزوجين على الآخر لمصلحة بقاء العشـرة، أعني بتظاهر الحب ولو لم يوجد؛ فعن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها قالت: «ما سمعت رسول الله ﷺ رخص في شـيء من الكذب إلا في ثلاث؛ الرجل يقول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها»[9]. قال صاحب (تحفة العروس): (وأرى جواز الكذب هنا بين الزوجين يكون في تظاهر كل منهما للآخر بالحب في حال عدم ميل أحدهما للآخر... ولعل هذا الميل المتصنع ينقلب إلى حب حقيقي بعد ذلك... وما عدا ذلك فينبغي أن يسود الصدق بينهما، وإلا زالت الثقة التي تتعذر الحياة الزوجية بدونها)[10].

* ومن ذلك طلاقة الوجه وبشاشته، قال ﷺ: «لا تحقرن من المعروف شـيئًا، وأن تكلم أخاك وأنت منبسطٌ إليه وجهُك، فإن ذلك من المعروف»[11].

واعلم أن الكلمة الطيبة صدقة: (إن الكلمة الطيبة أغلى عند الزوجة في كثير من الأحيان من الحلي الثمين، والثوب الفاخر الجديد؛ وذلك لأن العاطفة المحببة التي تبثها الكلمة الطيبة عذراء الروح، فكما أنه لا حياة للبدن بلا طعام، فكذلك لا حياة للروح بلا كلام حلو لطيف... اشكر زوجتك على صحن الطعام اللذيذ الذي قد أعدته لك بيديها.. اشكرها بابتسامة ونظرة عطف وحنان، أثن عليها، وتحدث عن محاسنها وجمالها، والنساء يعجبهن الثناء ويؤثر فيهن.. اذكر لها امتنانك لرعايتها وخدمتها لك ولبيتك وأولادك)[12].

وفي المقابل يقال للزوجة تجاه زوجها: (إنه بحاجة إلى العاطفة التي أنت مصدرها.. إنه يريد أن يسمع باللحن المريح كلمة الشوق والشكر والحب، والرغبة في الأنس به واللقاء... رددي بين الفينة والفينة عبارات الإعجاب بمزاياه، واذكري له اعتزازك بالزواج منه، وأنك ذات حظ عظيم؛ فإن ذلك يرضـي رجولته، ويزيد تعلقه بك، قابليه ساعة دخوله بالكلمة الحلوة العذبة، وتناولي منه ما يحمل بيديه، وأنت تلهجين بذكره وانتظارك إياه)[13].

* ومن ذلك: الاستماع إلى حديثها واحترام رأيها ومشورتها.

* ومن ذلك: التسليم عليها إذا دخل عليها.

* ومن ذلك: إكرامها في أهلها، وصلة رحمها.

* ومن ذلك: القيام على أمرها، ومداواتها إذا مرضت ورعايتها بنفسه.

وغير ذلك من الأمور التي تدل على حسن الخلق وحسن المعاملة والعشـرة، شـريطة أن لا يكون في ذلك معاصٍ ومخالفات شـرعية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة