اعلم -رحمك الله- أن الطلاق المشـروع بعد الدخول الذي أذن الله فيه، هو الطلاق الذي يملك فيه الرجعة، ولم يشـرع الله عز وجل إيقاع الثلاث جملة واحدة، ومن أدلة ذلك:
(1) قال تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ [البقرة:229]؛ أي: مرة بعد مرة، فهذا هو المتبادر المفهوم من لغة العرب؛ كقوله تعالى: ﴿ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ﴾ [النور:6]، فإنه لا يعقل أن يقول: أشهد بالله أربع شهادات... إلخ، ولكن يشهد بالله مرة، ثم يشهد الثانية، وهكذا.
(2) قال تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾ [البقرة:228]؛ أي: أن الزوج أحق بالرجعة في ذلك: أي: في وقت عدتها، وهذا يدل أنه طلاق بعد الدخول، فالزوج أحق بالرجعة ما لم يستكمل طلقاته.
(3) وقد ذكر الله في كتابه أقسام وأحكام الطلاق كلها:
* فذكر الطلاق قبل الدخول، وأنه لا عدة فيه: ﱡﭐ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﱠ [الأحزاب:49].
* وذكر الطلقة الثالثة وأنها تُحرِّم الزوجة حتى تنكح زوجًا غيره: ﱡﭐ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﱠ [البقرة:230]
* وذكر طلاق الفِداء وهو (الخلع)، وسماه فداء، ولم يحسبه من الطلاق: ﱡﭐ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﱠ [البقرة:229].
* بقي الطلاق الرجعي الذي يكون المطلق فيه أحق بالرجعة، وهو ما ذكره الله عدا هذه الأقسام الثلاثة السابقة.
وبناء على ما سبق؛ فإن إيقاع الطلاق الثلاث جملة غير مشـروع ولا مأذون فيه؛ سواء قال لها: أنت طالق ثلاثًا، أو قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فكل هذا مخالف لأمر الله وشـرعه.