اختلف أهل العلم في ذلك؛ فيرى بعضهم أنه طلاق بائن محسوب من الثلاث، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، ويرى آخرون أنه فسخ للنكاح وفُرقة بائنة، ولكنه ليس من الطلاق الثلاث، وهذا مذهب أحمد والقول الآخر للشافعي واختيار طائفة من أصحابه، وهو قول جمهور فقهاء الحديث؛ كإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وابن خزيمة؛ فعن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة[1]. وهو الثابت عن ابن عباس وأصحابه، وعن ابن عمر رضي الله عنهم [2].
ومعنى هذا: أنه لو طلقها تطليقتين، ثم خالعها، فهل يجوز أن تعود إليه؟
الجواب: نعم؛ لأنه بقي له طلقة، وهو لم يطلقها، بل فسخ النكاح.
وقد وردت آثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم تخالف ما ذهب إليه ابن عباس، لكنها كلها لا تصح، ولم يصح في الباب من الآثار إلا أثر ابن عباس وابن عمر، وقد ثبت عن عثمان رضي الله عنه أنه أمر المختلعة أن تستبرئ بحيضة. قال ابن تيمية رحمه الله: (ولو كانت مطلقة لوجب عليها أن تتربص ثلاثة قروء)[3].
قلت: أما أثر ابن عباس فقد رواه عبد الرزاق بسنده أن طاوسًا قال: كنت عند ابن عباس، إذ سأله إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، فقال: إني أُستعمل هاهنا -وكان ابن الزبير يستعمله على اليمن على السعايات[4]- فعلمني الطلاق؛ فإن عامة تطليقهم الفداء، فقال ابن عباس: ليست بواحدة، وكان يجيزه؛ يفرق به، قال: وكان يقول: إنما هو الفداء، ولكن الناس أخطؤوا اسمه، فقال لي حسن بن مسلم: قال طاوس: فراددت ابن عباس بعد ذلك، فقال: ليس الفداء بتطليق، قال: وكنت أسمع ابن عباس يتلو في ذلك: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة:228]، ثم يقول: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ ، ثم ذكر الطلاق بعد الفداء، قال: وكان يقول: ذكر الطلاق قبل الفداء وبعده، وذكر الله الفداء بين ذلك، فلا أسمعه ذكر في الفداء طلاقًا، قال: وكان لا يراه تطليقة[5]. ومعنى هذا أن الله ذكر الطلاق في أول الآية فقال: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ ، ثم ذكر الخلع، ثم ذكر الطلقة الثالثة، فقال: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ ، فلو كان الخلع طلاقًا لكان أربع تطليقات.
قلت: ومن الأدلة أيضًا: حديث الرُّبيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان، فسألته: ماذا عليَّ من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إلا أن تكوني حديثة عهد به، فتمكثي حتى تحيضـي حيضة، قال: وأنا متبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية[6]؛ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فاختلعت منه[7].
تنبيه: يرى بعض العلماء أن الخلع طلاق؛ لما ثبت في بعض روايات حديث ثابت بن قيس أن الرسول ﷺ قال له: «اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة»، وهذه الرواية وإن كانت في صحيح البخاري؛ فإنها من رواية أزهر بن جميل، قال البخاري في آخره: لا يتابع فيه عن ابن عباس، أي: أن البخاري يرى أن الصواب عن عكرمة مرسلا.
قلت: الرواية المحفوظة ما تقدم بلفظ: «وأمره بفراقها»، وليس فيه الأمر بالتطليق.