(أ) تحريم إسبال الثوب:
الراجح أنه يحرم إسبال الثوب زيادة عن الكعبين؛ سواء كان خيلاء أم لا، وقد ورد في ذلك الوعيد الشديد:
فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء»[1].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما أسفلَ من الكعبين من الإزار ففي النار»[2].
قال الخطابي: (يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار، فكنى بالثوب عن بدن لابسه، ومعناه: أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب عقوبة)[3].
فالحديث الأول وما شابهه يدل على تحريم جر الثوب تكبرًا وخيلاءً، وحديث أبي هريرة وما شابهه يدل على التحريم مطلقًا؛ سواء كان خيلاءً أم لا، وقد اختلفت العقوبة في كل منهما، فيمكن أن يقال: من جر ثوبه عمومًا (خيلاء أم لا) ففي النار، ويزاد في حق من جره خيلاء عقوبة أخرى وهي: ألا ينظر الله إليه. قال الحافظ: (وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضًا)[4].
تنبيه: وهناك قول أخر وهو أن التحريم فقط لمن جر ثوبه خيلاء، وأما من جره لغير الخيلاء فلم يروا التحريم، وذهبوا إلى الكراهة؛ لما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقال أبو بكر: إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال: «إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء»[5]، وحملوا المطلق في الأحاديث السابقة على المقيد في هذا الحديث.
قلت: وقد استدل بعض المعاصـرين بهذا الحديث على جواز إسبال الإزار إذا لم يكن خيلاء.
والجواب: أنه لا حجة لهم فيه؛ سواء من قال بالكراهة أو من قال بالجواز؛ لما يلي:
(أ) أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن إزاره مسبلًا، بل كان يسترخي، ويدل على ذلك أيضًا قوله رضي الله عنه: «إلا أن أتعاهد ذلك منه».
(ب) حمل المطلق على المقيد في الأحاديث السابقة بعيد؛ كما بين ذلك ابن العربي حيث قال: (لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أجره خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظًا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكمًا أن يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست في، فإنها دعوى غير مسلَّمة، بل إطالة ذيله دالة على كبره)[6].
(جـ) قال الحافظ: (ويتجه المنع أيضًا من جهة أخرى، وهي كونه مظنة الخيلاء)[7].
قلت: ويؤيد ذلك قوله ﷺ: «وإياك وإسبالَ الإزار؛ فإنها من المخيلة»[8].
مسألة: موضع طرف الإزار من الساق:
ثبت في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «إزرة المسلم إلى أنصاف الساقين، ولا حرج -أو قال: لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه»[9].
فتبين بهذا أن طرف الإزار من الساق يكون عند أنصاف الساقين، ويجوز أن يطول إلى الكعبين، ولا يزاد على ذلك.
وقد ذهب الشـيخ عبد المحسن آل عُبيكان، والشـيخ بكر أبو زيد إلى أن الثوب إذا كان إزارًا فإنه يسن أن يتحقق فيه ما تقدم إلى أنصاف الساقين، أو يزيد إلى الكعبين، وأما إذا كان قميصًا فإن السنة فيه أن يكون من تحت نصف الساق إلى الكعبين، أي لا يجعله إلى أنصاف الساقين، بل يزيده على ذلك، على ألا يطول بعد الكعبين.
مسألة: هل الكم والعمامة يشملهما حكم الإسبال؟
ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شـيئًا منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»[10].
قلت: لم يحدد القدر الذي لو زاد لكان إسبالًا، والظاهر -والله أعلم- أن هذا يكون بحيث يخرج عن العادة.
قال ابن القيم: (وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج، وعمائم كالأبراج، فلم يلبسها ﷺ هو ولا أحد من أصحابه البتة، وهي مخالفة للسنة، وفي جوازها نظر؛ فإنها من جنس الخيلاء)[11].