المسألة الثانية: الحلف على الغير:
إذا حلف إنسان على آخر بفعل شـيء؛ كأن يقول له: أُقسِم عليك أن تدخل الدار، فقال: لا، بل ادخل أنت، فهل يحنث الحالف ويكون عليه كفارة؟ قولان للعلماء:
والراجح: أنه لا يحنث إذا كان ذلك على سبيل الإكرام، فكأنه قال: والله إني لأكرمك، وقد حدث الإكرام بطلبه للدخول. قال شـيخ الإسلام: (وكذلك لا حنث عليه إذا حلف على غيره ليفعلنه فخالفه، إذا قصد إكرامه، لا إلزامه به؛ لأنه كالأمر، ولا يجب الأمر إذا فهم منه الإكرام؛ لأن النبي ﷺ أمر أبا بكر بالوقوف في الصف، ولم يقف)[1].
وعلى هذا يحمل حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قصة تقديمه الطعام للضـيفانِ، فقال الضـيفانُ: كل أنت، فقال: لا، والله ما آكل، فقالوا لزوجته: كلي، فقالت: لا، والله ما آكل، فقال الضـيفان: والله ما نأكل، فقال أبو بكر: هذا من الشـيطان، أنا الذي آكل؛ فأكل أبو بكر وأكلوا بعده، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «أنت خيرهم وأبرهم»[2]، ولم يأمره بالكفارة.
قلت: وعلى هذا، فلو كان الأمر على سبيل الإلزام، فلم يفعل؛ حنث.
ولكن هل يجب أن يبره لو حلف عليه؟
الصحيح أنه يستحب إبرار المُقْسِم؛ لما ثبت في «الصحيح» أن النبي ﷺ أمر بإبرار المقسم[3]، وهذا الأمر على سبيل الندب لا على الوجوب؛ لما ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه لما (عبَر) الرؤيا قال له النبي ﷺ: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا»، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أقسمت عليك يا رسول الله ﷺ لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال النبي ﷺ: «لا تقسم يا أبا بكر»[4].
ولكن إذا حلف على غيره على سبيل الإلزام، فأحنثه، فهل يجب كفارة على الحانث؟
قال ابن قدامة: (فالكفارة على الحالف؛ كذلك قال ابن عمر، وأهل المدينة، وعطاء، وقتادة، والأوزاعي، وأهل العراق، والشافعي)[5].
قلت: وذهب ابن حزم أنه لا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد الحنث، ولأنه لا يملك منع غيره أو إلزامه بالفعل، وقد قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة:286]، وهذا الاستدلال بعيد جدا؛ لأنه يملك أن لا يحلف على غيره ابتداء، وهو يعلم ابتداء أن من حلف عليه يمكن أن يحنثه، ولو قال رجل: (أنا أتكفل بما يأخذه فلان) فهو ملزم بذلك مع أنه لا يملك منعه أيضًا وهذا ما ذهب إليه الحسن البصـري؛ قال: إذا أقسم على غيره فأحنث فلا كفارة عليه، ويرى إبراهيم النخعي أن الكفارة تكون على الاستحباب، لا على الوجوب[6]،والراجح ما قال ابن قدامة ؒ.