ينبغي للقاضـي أن يتخلق بالأخلاق الحميدة، ويزاد عليها بعض الآداب التي تتعلق بالقضاء على وجه الخصوص، فمن هذه الآداب:
(1) المشاورة:
لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران:159]، فيندب له أن يجلس معه جماعة من الفقهاء يشاورهم، ويستأنس بآرائهم؛ خاصة فيما يشكل عليه من أحكام.
(2) ألا يحكم إلا بما أنزل الله:
لقوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [المائدة:49]. فإن جار وبدَّل حكم الله؛ فإنه يضـر نفسه قبل غيره ويوردها موارد الهلكة؛ لما تقدم في الحديث: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضـى به فهو في الجنة، ورجل قضـى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار»[1].
(3) ألا يقضـي حتى يسمع الخصمين:
لما ثبت في الحديث عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تقاضـى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضـي»[2].
(4) أن يسوى بين الخصمين ويعدل بينهما:
وقد ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه لأبي موسـى الأشعري في القضاء: «آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شـريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك»[3].
قال العلماء: يعدل بين الخصمين في الجلوس، والإقبال، ويسوى بينهما في النظر والنطق والإشارة، ولا يلقن أحدهما الحجة، ولا يضحك في وجه أحدهما، ولا يمازحهما ولا واحدًا منهما؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء، ولا يكلم أحدهما بلغة لا يعرفها الآخر، ونحو ذلك.
(5) لا يقبل الهدية:
لا يجوز للقاضـي أن يقبل هدية إلا من ذوي رحم، أو ممن جرت عادته معه بالتهادي قبل القضاء؛ لما ثبت في الحديث: «هدايا العمال غُلول»[4]، وفي رواية: «هدايا العمال رشوة»، ولأن الهدية قد تدعو إلى الميل للمهدي، وينكسـر بها قلب خصمه، وربما حصل للقاضـي ميل عن الحق بسبب تأثير الهدية وهو لا يشعر.
وقد ذهب العلماء إلى أن القاضـي لا يجيب الدعوة الخاصة؛ لأن إجابتها لا تخلو من تهمة، ولكن يجوز له حضور الدعوة العامة التي يتخذها صاحبها سواء حضـر القاضـي أم لا؛ لأنه لا تهمة عندئذ.
(6) هيبة المجلس:
وذلك بأن يكون له في مجلس القضاء أعوان يستحضـرون الخصوم ويمتثلون بين يديه، ليكون المجلس مهيبًا فيدعو ذلك المتمرد من الخصوم للإذعان والنطق بالحق. وأن يتخذ القاضـي كاتبًا؛ ليحفظ الدعاوى والبينات، والإقرارات، والشهادات، وأن يجعل ذلك في سجل خاص.
(7) أن يفهم النزاع، ويتأنى في الحكم:
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في كتابه لأبي موسـي: «فافهم إذا أُدلي إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له».
(8) لا يقضـي وهو غضبان:
وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لا يقضـين حاكم بين اثنين وهو غضبان»[5]. قال العلماء: وفي معنى الغضب كل ما شغل النفس؛ من الهم، والنعاس، والجوع المفرط، والعطش المفرط، وشدة الحزن، ونحو ذلك مما يحول دون استجماع الفكر.
فإن حكم القاضـي في حال غضبه، فالذي ذهب إليه جمهور العلماء أن حكمه ينفذ، وذهب بعض الحنابلة إلى عدم نفاذه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضـي الفساد؛ والله أعلم.