حجم الخط:

آداب السفر

الخطبة الأولى:

الحمد لله الملك العلام، والصلاة والسلام على النبي الكريم معلم الناس آداب الإسلام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وعلى التابعين وتابعيهم يا ذا الجلال والإكرام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أما بعد:

فإن الوصية المبذولة لي ولكم -عباد الله- هي تقوى الله سبحانه في سركم وعلنكم، في الغيب والشهادة، في الغضب وفي الرضا: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] الذين تدفعهم تقواهم إلى تقديم مرضاة ربهم على رضاء خلقه وعبيده: ﴿ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49].

أيها الناس: لقد أمر الله عز وجل بالسياحة في الأرض، والنظر والاعتبار في آلائه ودقة صنعه وتَدَبُّرِ آثار الأمم السابقة. فقال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [العنكبوت:20]. وقال جل وعلا: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام:11]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15].

وفي السفر فوائد كثيرة جمعها الشافعي في قوله:

تَغَرَّبْ عن الأوطان في طلب العلا

تفرُّج همِّ واكتساب معيشة

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

وعلم وآداب، وصحبة ماجد

وتتعدد أسباب سفر المسلم؛ فهو يسافر للحج والعمرة، أو لطلب العلم، أو للسعي وراء الرزق، أو لزيارة قريب أو صديق، وغير ذلك.

والسفر يُسفر عن أخلاق صاحبه، ويكشف عن مكنونها، لذا كان لا بد من الإشارة إلى أهم الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم في سفره، ومن ذلك:

أولًا: إخلاص النية لله سبحانه وتعالى: ففي الحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته على ما هاجر إليه»؛[1]

ومما يتعلق بهذا تحري الهدف من السفر وليكن هدفًا مشروعًا، حتى ولو كان ترويحًا مباحًا عن النفس لاستعادة نشاطها دون سرف أو مخيلة، ولتعلم أخي المسلم أن المسافر يجني فوائد عظيمة من إخلاص نيته لله في سفره، ومنها رضاء الله عنه وتوفيقه إياه، وتحقيق مبتغاه في سفره، وعودته حميدًا.

ثانيًا: الاستعداد للسفر ماديًا ومعنويًّا: فالمادي مثلًا بالنفقة الكافية، والمركب المناسب، والأوراق الثبوتية اللازمة، وما يحتاجه من طعام وشراب، ومن الأمور الهامة ما يتعلق بأمور الدين كأداة تحديد القبلة ومعرفة أوقات الصلاة، وأما المعنوي مثلًا بالعلم بجهة سفره، وما فيها من أخطار فيتجنيها، وما فيها من فرص جيدة ليستفيد منها.

ثالثًا: ومن آداب السفر:

استحباب التوديع للمسافر: يستحب للمسافر أن يودع أهله وقرابته وإخوانه، قال ابن عبدالبر: (إذا خرج أحدكم في سفر فليودع إخوانه، فإن الله جاعل في دعائهم بركة). والسنة أن يقولهم «استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه»[2]، وان يقولوا له: «أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك»[3].

رابعًا: ألا يسافر وحده: ففي الحديث عن النبي قال: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده»؛[4].

وفيه أيضًا حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب»؛[5].

خامسًا: استحباب التأمير في السفر إذا كانوا ثلاثة فأكثر: نادى الشـرع بالاجتماع وعدم التفرق، وحث على ذلك ورغب فيه، فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»؛[6].

السادس من آداب السفر:

عدم سفر المرأة بدون محرم: نهى الشرع المطهر عن سفر المرأة بدون محرم، لما قد يترتب عليه من الفتنة لها لومن حولها من الرجال. روى الشيخان وغيرهما أن أبا هريرة قال: قال النبي: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم»[7]، ولفظ مسلم: «لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها».

سابعًا: استحباب السفر يوم الخميس أول النهار: فقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام في أسفاره، أنه كان يحب الخروج في يوم الخميس.

ومن آداب السفر:

الحرص على كثرة الذكر والأدعية المأثورة: وأُتي علي رضي الله تعالى عنه بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف:13-14]، ثم قال: الحمد لله (ثلاثًا)، وقال: الله أكبر(ثلاثًا)، ثم قال: «سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، ثم ضحك، وقال: رأيت رسول الله صنع كما صنعت[8].

ومنها: الدعاء إذا خرج للسفر: روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى السفر كبَّرَ (ثلاثًا) ثم قال: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف:13-14].

اللهم نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل. وإذا رجع قالهن وزوّد: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.[9]

ومن أدعية السفر:

دعاء نزول المنزل: قد يحتاج المسافر إلى النزول من مركوبه، للنوم، أو الأكل، أو قضاء الحاجة، والبرية فيها من الهوام والسباع والشياطين ما الله به عليم، فكان من نعمة الله علينا أن شرع لنا على لسان نبينا، دعاءً نقوله يحفظنا - بإذن الله - من شر كل مخلوق، فعن خولة بنت حكيم السلمية رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله يقول: «من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك»[10].

ومنها: التكبير على المرتفعات والتسبيح عند الهبوط والنزول.

ومنها: دعاء دخول القرية ونحوها: يقول: «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها»؛[11].

كما ينبغي للمسافر أن يغتنم سفره، يدعو لنفسه وآبائه وأهله ومن يحب، وأن يجتهد في ذلك، ويتحرى الدعاء الجامع، مع الإلحاح والخضوع، فللمسافر دعوة مستجابة فلا ينبغي التفريط فيها. روى أبو هريرة أن النبي قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم»[12].

ومن آداب السفر:

صلاة التطوع في السفر: من السنن المهجورة، صلاة المسافر التطوع على مركوبه، فقل من تراه يصلي النافلة أو الوتر في الطائرة أو غيرها من وسائل السفر.

النوم في السفر: قد يضطر المسافر على الطرق البرية إلى النوم للراحة من عناء السفر، ولما كان الشرع المطهر يرشد الناس لما فيه مصلحتهم العاجلة والآجلة؛ كان من جملة ذلك إرشاد المسافر لمكان نومه، حتى لا يؤذى من هوام الأرض ودوابها. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنَة فبادروا بها نقيها، وإذا عرستم»[13]«فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل»؛[14].

ثم إنه ينبغي على المسافر إذا أراد نومًا، أن يتخذ ما في وسعه من الوسائل التي تعينه على الاستيقاظ لصلاة الفجر، وفي زماننا هذا أصبحت تلك الوسائل -ولله الحمد- متيسرة وبأبخس الأثمان.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد:

أيها الناس: ومما يلحق بآداب المسافر:

حسن الخلق ومراعاة حق الرفيق في الطريق والسفر.

فينبغي للمسافر أن يراعي حقوق رفقائه وجلسائه في مركوبه، ومن ذلك:

- لين الجانب وغض البصر وخفض الجناح لهم ومساعدتهم فيما قد يحتاجونه مما يقدر عليه، فهذا لها أعظم الأجور.

- إذا ركبوا في سيارة واحدة، أو سكنوا غرفة واحدة فينبغي عدم فتح النافذة أو الباب إلا بعد استئذان المجاورين له.

- الكرم، فمثلًا إذا تناول أحد المسافرين غذاءً أثناء السفر، دعا إليه المجاورين.

- ينبغي على الشاب أن يجعل خير الأمكنة للشيخ الكبير والمرضى والنساء.

- مراعاة آداب الذوق العام وعدم إيذاء الآخرين، بالتدخين مثلًا أو رفع الصوت بحديث خاص، وكذا لا يبصق ولا يرمي بفضلات طعامه؛ حفاظًا على مشاعر من معه، وحفاظًا على نظافة المركبات.

ومما ينبغي معرفته من آداب السفر:

استحباب رجوع المسافر لأهله بعد قضاء حاجته وعده الإطالة: يُستحب للمسافر إذا نال مراده من سفره أن يعود سريعًا إلى أهله، ولا يمكث فوق حاجته. وقد أرشد إلى هذا رسول الله، فعن أبي هريرة عن النبي قال: «السفر قطعة من العذاب: يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه. فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله»؛[15].

ومن الآداب عند عودة المسافر:

كراهية قدوم المسافر على أهله ليلًا: روى مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: «نهى رسول الله أن يطرق الرجل أهله ليلًا»[16] وعند مسلم: «إذا قدم أحدكم ليلًا فلا يأتين أهله طروقًا حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة»، وعنده أيضًا: «نهى رسول الله أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم»[17].

أخيرًا: يستحب لمن عاد من سفر أن يصلي ركعتين في المسجد عند دخوله البلد: فقد كان من هديه أنه كان إذا قدم من سفر، فإن أول شيء كان يبادر إليه هو الصلاة في المسجد ركعتين. قال كعب بن مالك رضي الله عنه: «إن النبي كان إذا قدم من سفر ضحى دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس»؛[18]. وهذه من السنن المهجورة، التي قل من يطبقها، فنسألك اللهم اتباعًا لسنة نبيك ظاهرًا وباطنًا، وبالله التوفيق.

هذا وصلوا وسلموا.....

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /سليمان بن قاسم العيد

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة