حجم الخط:

آداب الصديق

الخطبة الأولى:

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله بعثه بالهدى، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجعلنا على المحجة البيضاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأصفياء، وأصحابه الأتقياء، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ وسار على نهجهم واقتفى.

أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

اتقوا الله عباد الله، وراقبوه واعلموا أنكم عن قريب ملاقوه..

أيها الناس: إن من الأمور الجبلّية الفطرية التي فطر الله تعالى الإنسان عليها في هذه الحياة: أنه لا بد للمرء في هذه الحياة من جلساء وأصحاب، يتحدث معهم، ويتحدثون معه، يبث إليهم همومه ويشكو إليهم أحزانه ويستشيرهم فيما يُلمّ به من مهمات وأمور.

فالمصاحبة مما حث الإسلام عليه، ورغّب في السعي إليه، والصداقة تدعيم للعلاقات الاجتماعية، وتقوية للمودات، وشدّ لأواصر الصلات.

الصديق عباد الله من ضرورات الحياة، وطبائع البشر، ومن ظنّ أنه يمكن أن يستغني عن صديق في هذه الحياة فمغرور، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»[1].

أيها المسلمون: والمرء في هذه الحياة على مشرب صديقه وجليسه، ولا يشك عاقل من الناس في أهمية الصداقة والمؤاخاة في حياة المسلم وأثرها على سلوكه وأخلاقه، فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

أيها الأحبة: ومن أجمل ما قيل في تعريف الصديق ما قاله بعضهم: الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك.

ومثل هذا القول قد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين أقطع طلحة بن عبيد الله أرضًا وكتب له بها كتابًا وأشهد فيه ناسًا منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، فأتى طلحة بكتابه إلى عمر ليختمه له، فامتنع عمر، فرجع طلحة إلى أبي بكر مغضبًا وقال: «والله ما أدري أأنت الخليفة أم عمر؟ فقال أبو بكر: بل عمر لكنّه أنا».

عباد الله: وقد جاءت وصايا السلف الصالح في الحث على اختيار الأصدقاء وانتقاء الأصحاب والأخلاء، ومن ذلك قول أحدهم: (اصحب مَن إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أصابتك فاقة جاد لك بماله، وإذا رأى منك حسنةً عدّها، وإن رأى سيئة كتمها وسترها، لا تخاف بوائقه، ولا تختلف طرائقه).

وصاحب إذا صاحبت حرًّا مبرّزًا

يزين ويُزري بالفتى قُرناؤه

وقال لقمان لابنه وهو يعظه: (يا بني إياك وصاحب السوء، فإنه كالسيف المسلول، يعجبك منظره، ويَقبُح أثره، يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة). وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ قال: (الذي يغفر زللي، ويقبل عِللي، ويسد خللي). وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «اصحب من ينسى معروفه عندك، ويذكر حقوقك عليه».

أيها المسلمون: لقد أصبحت الصداقة الحقة من غرائب الدنيا وعجائب الزمان وذلك لمّا بعد الناس عن المنهج الصحيح للروابط والعلاقات فيما بينهم، فأصبح اجتماعهم إلا من رحم الله من أجل الدنيا، يجتمعون عليها، ويتفرقون من أجلها، حتى إنه ليصدُق فيهم قول القائل:

ما في زمانك ما يعزُّ وجوده

إن رمته إلا صديقٌ مخلصُ

والمسلم العاقل عباد الله يدرك أن الحصول على الصديق الوفيّ والخليل الحميم من أصعب الأشياء إن لم يكن من المستحيلات، ولذلك ينظر بعين البصيرة إلى أعمال وأخلاق من يريد صداقته، فمن رضي أعماله وأخلاقه صادقه، ومن سخط أعماله وأخلاقه ابتعد عنه. قال الأوزاعي رحمه الله: (الصاحب للصاحب كالرقعة للثوب، إن لم يكن مثله شانه).

أيها المسلمون: ولِما للصداقة من أهمية في حياة المسلم وتأثير على سلوكه فقد ذكر أهل العلم صفات، يجب على المسلم أن يختار صديقه وجليسه على وفقها: أولها: أن يكون ذا دين واستقامة، فإنّ ذا الدين يقف به دينه على الخيرات، ويجنبه المحرمات، مما يعود على صاحبه بالخير، وتارك الدين عدوّ لنفسه فكيف ترجى منه مودةُ غيره. قال أحد السلف: (اصطفِ من الإخوان ذا الدين والحسب والرأي والأدب، فإنه ردءٌ لك عند حاجتك، ويدٌ عند نائبتك، وأُنسٌ عند وحشتك، وزينٌ عند عافيتك).

فالإسلام معاشر الأخوة شرط ضروري للجليس الصالح والصديق الناصح، ولن يكون صديقًا ناصحًا من يكون على غير دينك، ولن يكون خليلًا وفيًا من يخالفك في الاعتقاد، وكل صداقةٍ تُبنى على غير الإسلام فإن ضررها متيقنٌ منه قلّ أو كثر، وستنقلب هذه الصداقة إلى عداوة يوم تتبين الحقائق، وتزول الغشاوة عن العيون والبصائر ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]. ألا فليحذر من يصادقون بعض أهل البدع من الفرق الباطنية وغيرهم ويثقون بهم، وليحذر أيضًا من يصادق بعض النصارى ممن ابتلي بالعمل في الشركات فإن كل هؤلاء لا يؤمَن جانبهم.

يعطيك من طرف اللسان حلاوةً

ويروغ منك كما يروغ الثعلب

الصفة الثانية: أن يكون عاقلًا، فإن العقل رأس المال، والصديق الأحمق يفسد أكثر مما يصلح، ويضر أكثر مما ينفع، لذا كان لا بد أن يكون الصديق صاحب عقلٍ موفور، وسلوك محمود، ومن الجهل صحبة ذوي الجهل والحماقة ممن لا تدوم صداقتهم، ولا تثبت مودتهم، وقديمًا قيل:

احذر مودة ماذقٍ

مزج المرارةَ بالحلاوةِ

يُحصـي الذنوب عليك

أيام الصداقةِ للعداوةِ

الصفة الثالثة: أن يكون محمود الأخلاق، مرضيّ الفعال، مؤثرًا للخير، آمرًا به، كارهًا للشر ناهيًا عنه.

الصفة الرابعة: أن لا يكون فاسقًا، فإن الفاسق لا فائدة في صحبته، لأن من لا يخاف الله لا تؤمَن غائلته، ولا يوثق بصدقه بل يتغير بتغير الأغراض، ويتقلب بتقلب الزمان. قال أحد الفضلاء:

مجالسة السفيه سفاه رأيٍ

ومن عقلٍ مجالسة الحكيم

فإنك والقرين معًا سواءٌ

كما قُدَّ الأديمُ من الأديمِ

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينٌ في الرخاء، وعدةٌ في البلاء، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ولا تطلعه على سرّك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى».

أيها المسلمون: لقد حذّر المصطفى من مجالسة الأشرار ومصاحبة الأنذال، وحث على اختيار الصديق الصالح والجليس المؤمن لما له من نفع في الدنيا والآخرة، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن رسول الله قال: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة»[2].

عباد الله: وإذا كان رسول الله قد ضرب للجليس الصالح مثلًا بحامل المسك فإنه أعظم من ذلك وأنفع، فهو إما أن يعلمك ما ينفعك في دينك ودنياك، أو يهدي لك نصيحة، أو يحذرك من معصية، أو يحثك على طاعة، أو يدعوك إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، بقوله وفعله، وأقل ما تستفيده منه أن تنكفّ بسببه عن السيئات والمعاصي رعاية لحق الصحبة، ومنافسة في الخير، وترفعًا عن الشر، وهذه فائدة عظيمة لا توزن بشيء، وقديمًا قيل: ما شيء أسرع في فساد الرجل وصلاحه من صاحبه.

قال عديّ بن زيدٍ رحمه الله:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي

وصاحب أولي التقوى تنل من تقاهمُ ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

وفي الحديث أنه قال: «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي»[3].

عباد الله: إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا، زينةٌ في الرخاء، وعدّةٌ في الشدة، ومعونة على خير المعاش والمعاد، هم كما قيل: إن جالستهم نفعوا، وإن شاورتهم نصحوا، وهكذا تكون مصاحبة الأخيار أهل العلم والفضل والتقى والصلاح.

والصديق الفاسد والجليس السوء مما حذر الله تعالى منه ورسوله وقد ضرب له النبي مثلًا بنافخ الكير، لأنه يؤذي جليسه على كل حال، فهو كالحداد الذي ينفخ في كيره ويضـرب على محمى حديده، إذا لم يطر شيء من شرار ناره، وطائش قذائفه الملتهبة على ثيابك وجدت من حديده وناره وكل ما يحيط به ريحًا منتنة مؤذية، وهكذا من يصاحب الأشرار وأهل السوء والفحش والمعاصي عياذًا بالله، فهو إما أن ينساق معهم إلى مواقع الإثم ومواطن الريب فتمسه نار المعصية في الدنيا ويصلى نار جهنم في الأخرى، وإما أن يناله خبيث رائحتهم واقتباس سيرتهم فيجد ما يؤذيه من قول وعمل قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا [النساء:38].

لا تصحب الكسلان في حالاتهِ

كم صالحٍ بفسادِ آخر يفسُدُ

عدوى البليد إلى الجليد سريعةٌ

والجمر يوضع في الرماد فيخمُدُ

عباد الله: إن مصاحبة الأشرار سم ناقع، وبلاء واقع، فكم هلك بسببهم أقوام، وكم فسد بسببهم أقران، كم من شاب وفتى صغير أو كبير انحرف عن الطريق المستقيم، وضل عن الهدي القويم، وسلك سبيل الهوى والشيطان الرجيم بسبب صديق السوء، وجليس الضلالة الذي قاده إلى الخراب والهلاك، وأوقعه في الضلال والفساد خطوةً خطوة، حتى ترك الصلاة، واتبع الشهوات وفي المقابل كم من ضال تائهٍ قاده الجليس الصالح إلى مجالس الخير وحلقات الذكر فهداه الله على يديه وأصبح من عباد الله المتقين، ينافس في الخير ويُسابق في العمل الصالح.

ولا أدلّ على شدة تأثير الجليس على جليسه والصديق على صديقه مما رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله وعنده عبد الله بن أمية وأبو جهل بن هشام فقال له: «يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله». فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب، فأعاد عليه النبي ، فكان آخر الأمر أن قال: هو على ملة عبد المطلب. فمات على الشـرك وأصبح حطب جهنم بسبب جلساء السوء ودعاة الضلالة.

فلنحذر عباد الله من مجالسة أهل الزيغ والفساد ولنتشبث بصداقة أهل الخير والاستقامة قال الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه المتقين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها الناس: اعلموا رحمني الله وإياكم أن الصداقة النافعة هي التي بنيت على تقوى الله تعالى ومرضاته، بعيدًا عن مطامع الدنيا، وشهوات الحياة، فهذه الصحبة هي النافعة في الدنيا قبل الآخرة، لأنها سريعة الاتصال بطيئة الانقطاع قال الله تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴿٦٧﴾ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف:67-68]. قال رسول الله : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه»[4]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «إن لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة لقربهم من الله تعالى ومجلسهم منه، هم قوم من أفناء الناس، من نزّاع القبائل، تصادقوا في الله وتحابوا فيه، يضع الله عز وجل لهم يوم القيامة منابر من نور، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله عز وجل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»[5].

أما صحبة الأشرار فإنها سريعة الانقطاع، بطيئة الاتصال، تورث الخزي في الدنيا قبل الآخرة، لأن الإنسان موسوم بسيما من قارب، ومنسوبٌ إليه أفاعيل من صاحب. ولقد ذكر الله تعالى حالهم يوم القيامة إذا تقطعت بهم السبل وغرّهم السراب اللامع والبريق الخادع، وهم يصطرخون في النار ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ﴿١٠٠﴾ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101]، قال الله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴿٢٧﴾ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿٢٨﴾ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان:27-29].

عباد الله: إن الناس على ثلاث طبقات: منهم من هو كالغذاء لا يستغنى عنه. ومنهم من هو كالدواء لا يحتاج إليه إلا زمنًا معينًا. ومنهم من هو كالداء لا يحتاج إليه أبدًا.

ثم اعلموا رحمني الله وإياكم أن للصداقة آدابًا، وللصحبة حقوقًا، فلا بد من النصيحة للصديق في السر والعلن، وتخفيف الأثقال عنه ومعاونته فيما ينوبه من حادثات الدهر، أو يناله من نكبات الحياة، فإن مراقبته في الظاهر نفاق، وتركه في الشدة لؤم وخسّة. وعليك بعد ذلك أن لا تُفرِطَ في حبه، بل تترفق وتقتصد، فإن الأيام دول، فقد يصير الصديق عدوًّا، والعدوّ صديقًا. قال عليّ رضي الله عنه: «أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما» رواه البخاري في الأدب المفرد.

قال الحسن البصـري: (إخواننا أحب إلينا من أهلينا، إخواننا يذكروننا بالآخرة وأهلونا يذكروننا بالدنيا).

وقال عمر ابن الخطاب: «عليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء».

إن الأخوة قائمة على الكرم، والصدق، والأمانة، والوفاء، والبذل، والإيثار.

جاء عن فتح الموصلي أنه قال: (هل يُدخل أحدكم يده في جيب أخيه فيأخذ ما يريد؟ قالوا: لا، قال: فلستم بإخوان)، و(سافر مرة، فجاء أحد إخوانه إلى بيته فسأل عنه، فخرجت الجارية، فقال: إنه مسافر، فقال: هاتي لي صُرة أخي، فأخرجت له صرة فيها دراهم، فأخذ بعضها وانصرف، فلما جاء فتح الموصلي، أخبرته، فقال: إن كنت قد صدقتِ فأن حُرة، فأعتقها)، فرحًا ببذله لأخيه.

وهذا إنما يكون فيمن تعمقت فيهم الأخوة، وزالت بينهم الحواجز، فهم أهل صدق ووفاء وبذل وسخاء، ودين وتقوى.

ولا بد أيضًا من غض الطرف عن الزلات، والتجاوز عن الهفوات بقدر ما يحفظُ الصداقة، وتدوم معه العشرة، فإن من رام بريئًا من الهفوات سليمًا من الزلات فقد رام مستحيلًا:

ومن يتتبع جاهدًا كل عثرةٍ

يجدها ولا يسلم له الدهر صاحبُ

ولله در القائل:

إذا كنت في كل الأمور معاتبًا

صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه

مقارف ذنبٍ مرةً ومجانبه

إذا أنت لم تشـرب مرارًا على القذى

ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه

اللهم رحمة اهد بها قلوبنا، واجمع بها شملنا، ولم بها شعثنا، ورد بها الفتن عنا اللهم صلِ على محمد

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /ناصر بن محمد الأحمد

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة