حجم الخط:

أولادنا والمسؤولية

الخطبة الأولى:

الحمد لله المنعم على خلقه، المتكفل لكل حي برزقه، أحمده سبحانه وأشكره على إنعامه الجزيل، وأستغفره وأستهديه وهو حسبنا ونعم الوكيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من وحد ربه، وملأ باليقين والإخلاص قلبه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بالهدى، والمنقذ بإذن ربه من الردى، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار من المهاجرين والأنصار، ما تعاقب الليل والنهار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

معاشر المؤمنين: وصية الله لنا وللمؤمنين في كل آن وحين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

إخوة الإسلام: قضيةٌ وقصةٌ وموضوعٌ في لقاء، لقيت مديرًا لإحدى الشـركات يتحدث عن الفقر الأخلاقي في المعاملات ثم تطرق إلى قصة له وقعت مع أبناءه الكبار الذين يناهزون العشرين من العمر، إذ احتاج يومًا أن يقوموا بتبديل أنبوبة الغاز فكانت قصة وأسئلة وبحث وكيف نصنع وأين نذهب وكيف نقوم بالمهمة، قال: (إننا لم نعلمهم، لم ندربهم، لم نحملهم المسؤولية، نحن نبني أجيالًا اتكالية ليست مبالية لا تحسن تدبير أمر شؤونها ولا القيام بمسؤولياتها، تحمل المسؤولية أمر في غاية الأهمية).

وومضة سريعة أنتقل بها -حتى نعود مرة أخرى إلى واقعنا-، سيد الخلق -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أمّر على جيش هو الأول الذي كان مقررًا أن يخرج خارج حدود الجزيرة شابًا عمره سبعة عشرة عامًا، وكان في هذا الجيش -أي من أفراده- أبو بكر وعمر ȋ وكبار الصحابة، أسامة بن زيد في السابعة عشر يوليه المصطفى قيادة جيش كان المفترض أن يقوم بأول عمل عسكري خارج الجزيرة مع الروم.

ونقلة أخرى سريعة إلى زمن آخر في عام 72هـ ولد محمد بن القاسم الثقفي، وفي عام 90هـ كان يقود الجيوش التي فتحت بلاد السند وعمره ثمانية عشر عامًا.

وومضة ثالثة في جانب آخر: الإمام الشافعي حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر سنين، وبدأ يفتي وهو دون العشـرين، صغار لكن كبار، منذ نعومة الأظفار خاضوا المجال وأتيحت لهم الفرصة، وأعطوا الثقة، وكان التشجيع وكانت الرعاية فظهرت تلك الشخصيات التي اليوم ربما نفتقدها إلى حد كبير إن لم نكن مبالغين فنقول إنه لا وجود لها في عصرنا.

ما القصة إذًا؟ تحمّل المسؤولية منذ الصغر منذ نعومة الأظفار، الدراسات العلمية تقول: (إن الوعي والإدراك بقدر المسؤولية في درجاتها الأولى يكون والطفل في الثالثة من عمره يبدأ شيئًا من التمييز)، والإمام البخاري في صحيحه في كتاب العلم ضبط سن التمييز بخمس سنوات، واستشهد بقول أحد الصحابة أنه يتذكر ويدرك مجة مجها النبي في فمه وهو ابن خمس سنين.

إذًا نحن معنيون بأن نبدأ إلى التوجه في تحميل المسؤولية منذ ذلك العمر، وهل هنا أمر عجيب؟ وهل هنا مبالغة فجة؟ وهل هنا ثقل وعبء لا يحتمل؟ كلا، على سبيل المثال حتى نبدأ في إدراك هذا الموضوع في هذه السن الصغيرة لو أننا عوّدنا هذا الطفل على أن ينظم موضع حذائه ويضعه في مكان معين وعندما يضعه يجد الابتسامة المشجعة والكلمة المحفزة من والدته وإذا لم يفعل وجد شيئًا من التأنيب، صورة من المسؤولية الذاتية التي يكاد تغيب عنا فصار جميع الأفراد لا يحسنون أمرًا ولا يتقنون عملًا، بسبب الاتكالية وعدم التعود على حمل المسؤولية.

صورة قد يكون فيها مبالغة لكننا نريد تحمل المسؤولية، وقبل أن أبدأ في الصور العامة أشير إلى أن منهج كتاب الله وهدي رسول الله يعمق المسؤولية الفردية تعميقًا لا مزيد عليه: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، ستسأل، وسيسأل كل أحد، صغيرًا كان أو كبيرًا بحسبه عند تكليفه، ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وفي حديث المصطفى : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا»[1]، وفي شأن الكفار يذكر الله جل وعلا قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، والمحاسب هو الحق جل وعلا ، هو الذي لا تخفى عليه خافية، هو الذي ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].

والمحاسبة ليس فيها واسطة، والمسؤولية ليس فيها من يحمل أو يخفف، بل كما قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، أي: مرتهنة، وفي حديث المصطفى : «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»[2] أي: إما أن يعتقها إذا أدّى ما عليه، أو يوبقها ويوردها الهلاك إذا قصّر في مسؤوليته وواجبه، والنصوص في هذا كثيرة، والأثر العملي لهذا عظيم، وحسبي أن أشير إشارات.

هذا سبط النبي الحسن، وهو صغير ما زال دون البلوغ ودون التكليف وبين يدي النبي بعض من تمر الصدقة بعد التوزيع فأخذ تمرة ليضعها في فمه، فضرب النبي على يده وقال: «كخٍ كخٍ، أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة»، إنه لا يعي لا يدرك لا يعرف الأحكام، لكنها التغذية الأولية، ما يقع كما يقولون في العقل اللاواعي الذي دعانا النبي في سنته أن نؤذن في الأذن اليمنى ونقيم في اليسرى لماذا؟ لأن لهذه الكلمات أثرًا أثبت العلم أنه يبقى، لذلك لابد أن ندرك هذا، حتى لما جاءت المرأة وقالت لابنها: هاك اعطك، فلما جاء أعطته تمرة، قال: «أما إنك لو لم تعطه لكانت كذبة»[3]، لا تفكر به وأن عقله صغير أو إدراكه غير عميق، فكر بما تريد أن توصله لهذا الصغير منذ نعومة أظفاره.

المسؤولية هنا سنتناولها في جوانب ثلاثة مهمة:

الجانب الأول: هو جانب الأسرة، الأم والأب وبيئة الأسرة كلها، تحتاج أولًا إلى إعطاء الثقة، وذلك بالتشجيع والتحفيز، قل له: إنك كبير، قل له: إنك مسؤول، قل له: إنك تستطيع وتقدر، وشجعه حتى يكون ذلك منطلقًا لهذه المسؤولية.

والأمر الثاني: إعطاء الاستقلالية في اتخاذ القرار مع الرعاية والتقدير، دعه يقرر، نحن اليوم نقرر عن أبنائنا أين يدرسون، ونقرر عنهم في ماذا يتخصصون، ونقرر عنهم ماذا يلبسون، شيء عجيب هذه الرعاية الزائدة تفقد هؤلاء شخصياتهم وقدراتهم التي يمكن أن تكون نواةً لقوة وقدرة وشخصية مؤثرة في المستقبل.

والأمر الثالث: هو إعطاء الفسحة أو الفرصة للممارسة العملية في شتى الجوانب مع المكافأة أو المعاقبة بحسب الحال، إذا فعلنا ذلك سنجد أثرًا وسنجد تجربة وسنجد فرصة لجوانب مختلفة، ولكي يتحقق هذا لابد أولًا من تنمية الحوار والمشاركة، نحن لا نسمع أبناءنا ولا نصغي لهم، وإذا أرادوا أن يتكلموا قلنا: إننا مرهقين أو ابتعدوا فنحن الآن مشغولون، أو في وقت آخر، أو ما هذه القضية التافهة العارضة، فحينئذ لا يسمع لهم قول ولا يعتبر لهم رأي، ولا ينظر إليهم في قدر من الشخصية بحال من الأحوال، وهذه قضية أساسية مهمة.

والأمر الثاني: هو الأمر الذي يكون فيه نوع من التقدير الحقيقي الذي نعمله بتجربة مقصودة هادفة، عندما نكون على قدر كبير من التتبع والمتابعة الإيجابية لأبنائنا فعند كل إحسان نقدر ونحفز وعند كل تقصير ننبه ونشير إلى مواطن الخلل فيحصل حينئذ هذا التقدير في كل الجوانب.

مثلًا: ما يسمى بالإجازة، أو العطلة وإن كانت العطلة من العطالة، ماذا يصنع أبناؤنا بل كثير من أسرنا، الليل قصير يسهرونه في غير فائدة، والنهار طويل يقتلونه أو ينحرونه نومًا، وفيما بينهما فراغ يؤدي إلى فراغ ونعمل فيه فراغ وننتهي فيه إلى فراغ!

فلنعطي أبناءنا أولًا فرصة التعويد على المسؤولية بالواجبات الاجتماعية يكلفون بها ويحرصون عليها، هم الذين يعملون جداول الزيارات للأرحام، أو يرتبون للقيام بأعمال تريدون القيام بها، اجعلوهم يشعرون أن هذه مسؤولية وأنها من المهمات الواجبة ومن الأعمال الفاضلة في شريعتنا الغراء، اجعلوهم يأخذون جانب آخر مع محيط الحي والجيران، مع بقية أقرانهم إن كانوا صغارًا أو إن كانوا كبارًا فليقوموا بمبادرات اجتماعية في تنظيف الحي أو في عمل شيء يعود على الجميع بفائدة يشعرون بالأثر ويقومون بنوع من المهمة بل كلفه بعمل وإن كان في داخل المنزل أو لصالح الأسرة ونحو ذلك، ليعتاد على المسؤولية.

وأضف إلى ذلك القراءة وأضف إلى ذلك الصلة بكتاب الله سبحانه وتعالى، كل ذلك لا ينبغي أن يمر دون أن يكون هذا التوجيه وتحميل المسؤولية.

أما الترتيب الشخصي لحاجياتهم وسررهم وغير ذلك فهذه قضية ينبغي أن تكون دائمة، لا ينبغي أن يُعود الأبناء على الاتكالية التي تولد عندهم شخصيات على جانبين من الخطورة في الناحية الفكرية والنفسية تنشأ شخصيات ليس لديها أي مبالاة بأي شيء، ومن الناحية العملية والسلوكية تنشأ شخصيات غير قادرة على عمل شيء، وكلا الأمرين خطير، أن تكون لدينا نفوس لا تتحمل مسؤوليات، ولا تعنى بشأن نفسها حتى تُعنى بشأن غيرها، وأين نحن حينئذ من هذه المسؤولية الكبيرة التي تضمنا جميعًا في شأن الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله ومسؤوليتنا عن كل هذه البشـرية؟ ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]، ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

كل ذلك قاعدته الأساسية ومنطلقه الأول، إن لبنته الأولى في هذه المسؤولية التي ترعى من البداية منذ الصغر بنوع من التحمل للمسؤولية حتى بالمسؤوليات داخل الأسرة، اجعل الأبناء الكبار يعلمون الأبناء الصغار، واجعل البنت الكبيرة تعتني بالأطفال الذين تقوم لهم بشأن كشأن الأم، مع التحفيز والتشجيع والتوجيه والترغيب، كل ذلك مطلوب حتى تصبح الأسرة كلها فاعلة، وليست كلها نائمة، كثير هو النوم في هذه الأيام بشكل عجيب وغريب وبنوع من صورة تدل على أننا ليس عندنا انتاجية وليس عندنا تحرك ولا تحرّق.

أيها الناس: إن من المؤسف أن تكون المجتمعات الإسلامية في كثير من جوانبه مجتمعات لديها قدر كبير من التخلف العلمي والتقني والسلوكي والمنهجي والإداري نحتاج إلى استدراكه، «والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»[4] كما قال رسولنا ، ﴿ يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، ليس هناك تراخٍ، ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133]، ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، «بادروا بالأعمال ستًّا»[5]، كما قال النبي عليه -الصلاة والسلام-، كل ذلك يدل على التحفيز، أول ما خوطب النبي بعد نزول الوحي في المرة الأولى ب ﴿ اقْرَأْ [الإسراء:14]، ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر:1-2]، بقوة، بنوع من الأمر، ليس هناك مجالًا للنوم ولا للدعة ولا للكسل، فإن الحياة عمرها قصير وميدانها محدود، والحياة الأخرى هي الحياة الأعظم عند المؤمن، ينبغي هنا أن يحرث في كل لحظة في كل ثانية في كل ميدان في كل مجال مع كل إنسان حتى يستطيع أن يعمر حياته لتكون عمرانًا لآخرته.

والميدان الثاني: هو الميدان التعليمي، المعلمون أيضًا أن يسمعوا لتلاميذهم وأن يطلبوا مشاركاتهم، وأن يجعلوا التعليم بينهم وبينهم متفاعلًا، نحن نريد بيئة تجعل هؤلاء الطلاب يتحملون مسؤوليتهم، ويتعلمون كيف يحصلون العلم بذاتية وليس بتلقين أو فرض أو قسوة وغلظة، وأيضًا ليس بمساعدة دائمة في كل لحظة وآن؛ دون أن يكلف نفسه جهدًا أو أن يشعر بأنه يتعب أو يجتهد لأجل ذلك، وسبحان الله لو تأملنا من سير السلف الصالح ونماذج ما كانوا عليه لعجبنا ولرأينا عجبًا كبيرًا.

كان للإمام النووي وهو في مقتبل العمر وبداية الشباب ثلاثة عشر درسًا في ثلاثة عشـر علمًا، يبتدئها قبل الفجر الأول إلى نهاية اليوم في الغروب، هكذا كانت الطاقات والمسؤوليات والأعمال التي كان ينجزها أسلافنا، ليس في هذا المجال العلمي أو الشـرعي فحسب، بل في سائر المجالات.

وفي التعليم ينبغي أن يعود الأساتذة الطلاب على المواجهة وعلى الإلقاء والجرأة المنضبطة، وقد أقيمت تجربة كُلف فيها الطلاب بأن يحضروا مادة للمحاضرة أو للدرس بعد أسبوعين أو ثلاثة، فيستعدوا ثم هم يقومون بالتدريس ويحاورهم إخوانهم وزملاؤهم؛ فكانوا يجدون ثقة بالنفس ويذهبون حتى يحضـروا تحضيـرًا أقوى مما يمكن أن يحضـره حتى المعلم أحيانًا.

نحتاج إلى بيئة تجعل الطلاب في المدرسة يحافظون على التعاون والنظافة والنظام، ويقومون بتنظيف مساجدهم ومدارسهم وبتجهيزها وتهيئتها ويعملون كخلية نحلٍ، نحتاج إلى صورة التعاون، التي يضرب مثلها النبي بصورٍ رائعة: «كالبنيان يشد بعضه بعضًا»[6]، «كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»[7]، صورٌ ينبغي أن نترجمها في بيئات متنوعة وسيما بيئة التعليم فإنها من أبرز وأكثر البيئات التي تؤثر في طلابنا وفي أبنائنا ليكتمل هذا مع ذاك فيحسن حينئذ تحميل المسؤولية والتربية عليها كما يجب وكما ينبغي.

وهنا ومضات سريعة: في الصحيحين أنَّ رسولُ اللهِ أُتِيَ بشرابٍ. فشرب منه. وعن يمينه غلامٌ وعن يسارِه أشياخٌ. فقال للغلامِ: «أتأذنْ لي أن أعطيَ هؤلاءِ؟» فقال الغلامُ: لا. واللهِ ! لا أُوثرُ بنصيبي منكَ أحدًا[8]. هذه فرصة عظيمة، هذه مزية، هذا الغلام لو لم تكن له شخصية لو لم تكن له تربية لربما مع هيبة النبي قال: نعم. وهذا ليس فيه سوء أدب، بل فيه كمال قوة وقدرة وكمال علم وفطنة، وكمال نظرٍ إلى الفائدة والمنفعة في كونه يقدم بتقديم رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

النبي كان راكبًا على دابته وكان يردف خلفه ابن عباس وهو غلام صغير فالتفت إليه في الحديث المشهور: «يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله..»[9]، هكذا الالتفات والانتباه والتعيين حتى وجدنا ابن عباس يفخر ويحفظ ويمتثل وهذا عبدالله بن عمر يقول: كان الصحابة يرون الرؤى فيقصونها على رسول الله وهو صغير كان ابن الحادية عشر، قال: فوددت أن أرى رؤيا فرأيت رؤيا فقصصتها على حفصة، فقصتها على رسول الله ، فقال: «نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل»[10]، هذه كلها ومضات في التفات النبي إلى هؤلاء الغلمان في صغر السن، فينبغي أن نلتفت لذلك.

أسأل الله عز وجل أن يرزقنا الأبناء الصالحين وأن يعيننا على تربيتهم وتنشئتهم على مراد الله سبحانه وتعالى.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد:

إخوة الإسلام والإيمان: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله عز وجل استشعار الأمانة والمسؤولية في تربية الأبناء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

والدائرة الثالثة المهمة هي دائرة المجتمع: يوجد في مجتمعاتنا إلى حد كبير نوع من التهميش للصغار أو للشباب في مقتبل العمر، لا ينظر إليهم، لا يسمح لهم بمشاركة الكبار في مجالسهم، لا يطلب منهم رأي، لا ينتظر منهم إسهام، وهذا كثيرًا ما يحبطهم، ويسد الأبواب في وجوههم، ولا يتيح الفرصة لطاقاتهم، بينما نجد ذلك في تربية النبي وفي تاريخنا على غير ذلك.

كلنا يعرف كيف كان عمر بن الخطاب يُدخِل إلى مجلسه الذي فيه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ابن عباس رضي الله عنه لماذا؟ لأنه كان ذا علم. ولما سألوا عنه وعن دخوله هذا المجلس مع كونه صغيرًا ولهم أبناء أكبر منه، سأله عمر بن الخطاب عن تفسير سورة: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، ففسرها أولئك القوم ثم سأل ابن عباس فقال: «هي أجل رسول الله نعي إليه»، قال: «ما أعلم منها إلا ما علمت»[11]، فأشار بذلك إلى تقديمه.

ومثل ذلك وقع أيضًا مع ابن عمر لما كان النبي في مجلس فقال: «ما شجرة مثلها مثل المسلم» اضربوا لي مثلًا، قال: فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسـي أنها النخلة فاستحييت وفي القوم أبو بكر وعمر، فقال النبي : «إنها النخلة»[12]، فلما علم عمر قال: وددت لو أنك قلتها وليس لي بها ما في الدنيا وما فيها؛ لأنه كان يريد لابنه أن يتصدر أو أن يتقدم في هذا الموطن العظيم.

أيها الناس: إن في قول الحق سبحانه وتعالى في شأن نبيه وكليمه موسى عليه السلام: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي [طه:39] إشارة بديعة إلى ما تحتاجه تلك الصناعة من لطف إلهي، وعناية ربانية.

إن الرجال يصنعون صناعة أي صناعة! إن لكل أمة محترمة، ولكل شعب متحضر مبادئ وأعرافًا، وأحكامًا ونظمًا ترتب علاقاته بين أفراده، وعلاقاته مع الآخرين، كل أمة محترمة تضع الخطط والمناهج لإيجاد مناخ سليم لإعداد الأجيال الناشئة، لتلقي تلك المبادئ والنظم، والإيمان بها، والغيرة عليها، والدفاع عنها. إن ذلك كله لا يكون إلا بالتربية، إن التربية -أيها الإخوة- هي التكامل، وهي التطور، وهي الاستمرار، وهي التغير.

التربية بإذن الله تحدد طريق السعادة كما تحدد طريق الشقاء، إنها صورة مجتمع في قيمه وأعرافه، ومثله وأخلاقه.

التربية هي الإعداد للحياة، وصقل العقول، وتهذيب السلوك، وتنمية الذوق الرفيع، والتدرج في مراقي الكمال الإنساني، إنها غرس ودرس، وغاية ورعاية، وعطاء ونماء، تربية دقيقة جادة تقوم على بناء المجتمع، وتصحيح الخاطئ من مفاهيمه، وإقامة المعوج في سلوكه.

تربية تجمع بين سلامة المعتقد وتأديب النفس وتهذيب العقل وبناء الجسم.

التربية وسيلة توحيد الأمة، وربط أفرادها بغايات عليا، ومصير مشترك، تحفظ الماضي المجيد، وترسم المستقبل المأمول، إنها العقيدة والنظام، والقيم التي تميز الأمة وتأكد استقلالها، بل هي سبيل تميزها وتفوقها.

أيها الآباء: أيها المعلمون! أيها المربون! يُربى أبناؤنا على القدوة الحسنة، ونشدان الكمال، وعلى إحقاق الحق، وحب العدل، يجب البعد عن التناقض بين المبادئ الأصيلة الصحيحة من الإيمان والخير والطهر وبين مبادئ الكفر والظلم والقسوة والانحطاط الخلقي.

أيها المربون: ينبغي أن يعلم أن التقليد فطرة مغروسة في سلوك الطفل، فهو يقلد ما يراه، إن حسنًا فحسن، وإن سيئًا فسيء، ومن ثم فلا ينبغي أن تقع عين الطفل إلا على كل مظهر حسن، وعلى ألا تتلقى أذناه إلا كل لفظ مهذب، ولا ينمو رصيده من المشاهدات والمدركات والمعارف إلا على كل تصرف رشيد وكل عمل مفيد. والنفوس مجبولة على حب التملك والتفوق والثناء، فلا ينبغي أن يغفل الأب والمربي عن الحوافز المادية، والمشجعات الأدبية، فتتنوع الحوافز والجوائز فيُمنح مالًا، ويُهدى كتابًا، ويُشجع بالألفاظ المسموعة والمكتوبة، ناهيك بالحافز الأخروي، وربط الناشئة بما عند الله، فما عند الله خير وأبقى من عظيم الأجر وجزيل الثواب، وهذا يتناسب مع كبار الناشئة قبل صغارها.

يجب مع ذلك -على الكبار- العناية بالألفاظ، وأسلوب الخطاب، وترك الفظاظة والغلظة، مع مراعاة حسن الهيئة من الملامح المبتسمة، والقسمات المبتهجة، في أريحية وطلاقة وجه، فيكسب القلوب، ويملك المشاعر، ولا يسع الناس إلا طلاقة الوجه وبسط المحيا، وتبسمك في وجه أخيك صدقة.

ينبغي أن يسود في التربية احترام الكبير، ورحمة الصغير، وحفظ الحقوق، واحترام الممتلكات العامة والخاصة، والعطف على المحتاج، ورعاية المريض والعاجز، والرفق بالحيوان، والتنظف والتجمل، والشجاعة في القول، والرأي والعمل، و«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير».

أيها الإخوة: إنها التربية المتكاملة المتوازنة، تعصم بإذن الله من النزوات النفسية، وتحمي من سلطان الميول الجامحة، والأهواء المؤذية، وتنير للناشئة طريق الهدى والصلاح، فتقوم الحياة والعلاقات على الحب والطاعة والتعاون والمناصحة، وتنطبع النفوس على جميل الخصال وتدفع بالسلوك إلى أنبل الفعال، سدد الله الخُطى وبارك في الجهود وأصلح الأنفس والنيات والذريات، إنه سميع مجيب الدعوات.

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /أحمد بن عبد الرحمن الزومان

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة