الحمد لله رب العالمين، أعد النار بعدله للأشقياء الكافرين، وحذر من عذابها الأتقياء المؤمنين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة خالصة إلى يوم الدين، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله أنذر أصحابه من النار وطلبهم أن يستعيذوا منها في الصلاة لرب العالمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آ له وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون حق التقوى﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102]إنّ القلوب بحاجة جد ماسة إلى أن نوردها المواعظ ونخوفها بما خوفها الله به وخوفها به رسوله ﷺ، فكم كان رسول الله يتعاهد أصحابه بالمواعظ التي توجل منها القلوب وتذرف منها العيون وترتعد منها الفرائص. عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ قَالَ: «بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ فَخَطَبَ فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْـجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْـخَيْرِ وَالشَّرِّ وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ قَالَ غَطَّوْا رُءُوسَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ»[1]. فلم يتم النبي كلامه إلا والصحابة قد خفضوا رؤوسهم وأكبوا على وجوههم ولهم ضجيج وخنين بالبكاء.
أيها المسلمون: ما أحوج نفوسنا إلى المواعظ فهي بحاجة جد ماسة إلى أن نوردها المواعظ والنذر، ونذكرها بما ذكرها الله به وذكرها به رسوله.
أيها المسلمون: إنها النار، كم حذرنا المولى منها وأنذر، كم حذر عباده أشد التحذير، وأنذرهم غاية الإنذار من عذاب النار، ومن دار الخزي والبوار فقال تعالى: ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ ﴾ [الليل:14] وقال: ﴿ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ ﴿٣٥﴾ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ [المدثر:35-36] كم في كتاب الله من وصف للنار. لقد وصف الله في كتابه حرّها ولظاها، ووصف طعامها وشرابها، ووصف أغلالها ونكالها، ووصف جحيمها وغساقها، ووصف أصفادها وسرابيلها، ووصف حال أهلها، حتى إنّ من يَقرأُ القرآن بقلب حاضر ويسمع وصف عذابها لكأنما أُقِيم على شفيرها فهو يراها يحطم بعضها بعضًا، ولكأنما يرى أهلها وهم يتقلبون في دركاتها، ويسحبون في أوديتها. كل ذلك من الله تحذير وإنذار وتخويف لنا من النار.
أيها المسلمون: لقد خوفنا رسول الله من النار وحذرنا منها وهو الشفيق على الأمة الحريص على نجاة العباد، فخوف وحذر أنذر فعن النُّعْمَانَ بن بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ حَتَّى لَوْ كَانَ رَجُلٌ كَانَ فِي أَقْصَـى السُّوقِ سَمِعَهُ وَسَمِعَ أَهْلُ السُّوقِ صَوْتَهُ وَهُوَ عَلَى الْـمِنْبَرِ»[2].
أيها المسلمون: ذكر جهنم أطار نوم الخائفين، ونصب أقدام المتهجدين، وأسبل عبرات المشفقين، ونغص عيش الصالحين، أما اليوم فقد أصبح الحديث عن النار حديثًا لا تستشعره القلوب، وقل أن تذرف له العيون، حتى إنك إذا تحدثت عنها في مجلس قوم قالوا لا تعقد الحياة ودعنا نعيش وكأن النار لم تخلق لهم. أيها المسلمون: وليكن الحديث اليوم عن النار وأهوالها لعل القلوب القاسية تلين ولعل الغفلة عن قلوبنا تذهب فإن سألتم عن النار فقد سألتم عن دار مهولة، قعرها بعيد، وعذابها شديد، وماؤها صديد، وطعامها ضريع وزقوم، روى مسلم في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا»[3] ﴿ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴿٢١﴾ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴿٢٢﴾ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ ﴾ [الفجر:21-23] إن بكى لا ينفعه البكاء وإن ندم لا ينفعه الندم.
ما ظنكم يا عباد الله بحر نار أوقد عليها ألف عام حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى أبيضت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يرى لهبها ولا يضيء شررها.
ما ظنكم يا عباد الله بنار نارنا هذه التي نوقدها جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا»[4].
ما ظنكم يا عباد الله بنار غمسة واحدة فيها تنسى نعيم الدنيا كله عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ»[5].
ما ظنكم يا عباد الله بنار يسقط الحجر من شفيرها فلا يصل إلى قعرها إلا بعد سبعين خريفًا فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «تَدْرُونَ مَا هَذَا قَالَ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا»[6].
ما ظنك يا عبد الله بنار اشتكت إلى ربها من شدة حرها فقالت: يا رب أكل بعضـي بعضًا فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْـحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ»[7]. ما ظنكم -يا عباد الله- بنار يقول المصطفى -فيما رواه البزار وأبو يعلى- عن بعض أهوالها «لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ثم تنفس رجل من أهل النار لأحرقهم»[8].
أيها المسلمون: هل يقوى أحد منا على حريق نار الدنيا؟ والجواب كلا. فإذا كان هذا الحال مع نار الدنيا فكيف الحال مع حريق نار الآخرة؟ وأين حريق من حريق في شدته أو مدته؟ فحريق الدنيا بنار يوقدها الخلق، وحريق الآخرة بنار يوقدها الخالق، حريق الدنيا لحظات وينتهي. وحريق الآخرة آباد لا يعلمها إلا الله، وفوق حريق الآخرة غضب الله وسخطه.
وإن سألتم عن أبواب النار فلها سبعة أبواب ﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ [الحجر:44] وإن سألتم عن طعام أهلها فاسمعوا ما يقول ربها وخالقها والمتوعد بعذابها ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴿٥١﴾ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ﴾ [الواقعة:51-52]، ﴿ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿٦٦﴾ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ﴿٦٧﴾ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ﴾ [الصافات:66-68]، ﴿ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ﴿٥٤﴾ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴿٥٥﴾ هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الواقعة:54-61] ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴿٤٣﴾ طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴿٤٤﴾ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ﴿٤٥﴾ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴾ [الدخان:43-46] فما هي شجرة الزقوم؟ يقول تعالى عنها: ﴿ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴿٦٢﴾ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ﴿٦٣﴾ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ﴿٦٤﴾ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴾ [الصافات:62-65]، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أنَّ قطرَةً مِنَ الزَّقومِ قُطِرَتْ في دارِ الدنيا، لأفسدَتْ علَى أهلِ الدنيا معايِشَهُم، فَكَيْفَ بِمَنْ تكونُ طعامَهُ؟»[9]. وليس الزقوم وحدها هي الطعام بل من طعامهم كما أخبر تعالى: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا ﴿١٢﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [المزمل:12-13] قال ابن عباس: «وطعامًا ذا غصة قال شوك ينشب في الحلق لا يدخل ولا يخرج»، ومن طعامهم كما قال تعالى: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴿٦﴾ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾ [الغاشية:6-7] قال ابن عباس: «الضريع شجر في جهنم، ومن طعامهم القيح والصديد الذي يسيل من جلود أهل النار ومن فروج الزانيات يأكلونه قبل أن تأكله النار ﴿ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ﴿٣٥﴾ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ [الحاقة:35-36]» والغسلين قال عنه ابن عباس: «هو صديد أهل النار». وإن سألتم عن شراب أهل النار فاسمعوا إلى ما يقول تعالى: ﴿ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ﴿٥٤﴾ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴾ [الواقعة:54-55] ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد:15] ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف:29] فمن شدة حرارته أنهم إذا قربوه من وجوههم سقطت فروة لحم وجوههم من شدته وحرارته وإن شربوا منه قطَّع أمعائهم في بطونهم حتى تخرج من أدبارهم قال تعالى ﴿ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴿١٦﴾ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ۖ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ [إبراهيم:16-17]
وإن سألتم عن سلاسلها وأغلالها يقول تعالى مبينًا ومحذرا ومنذرًا: ﴿ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴾ [الحاقة:32] ويقول تعالى: ﴿ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٧١﴾ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ [غافر:71-72]، ﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ﴾ [الرحمن:41] فتجمع ناصية رأسه إلى قدميه وراء ظهره ، ويقول تعالى ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا ﴾ [المزمل:12] والأنكال هي القيود قال أبو عمران الجوني: (قيود لا تحل والله أبدًا) عن أبي سنان، قال: تلا الحسن: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا ﴾ [المزمل:12] قال: (قيودا)، ثم قال: (أما وعزته ما قيدهم مخافة أن يعجزوه، ولكن قيدهم لترسى بهم النار).
وإن سألتم عن لباس أهل النار فهو مصنوع من نار ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ [الزمر:16] ﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴿٤١﴾ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴿٤٢﴾ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ﴿٤٣﴾ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ﴾ [الواقعة:41-44].
وإن سألتم عن سعة النار فَعنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَتَدْرِي مَا سِعَةُ جَهَنَّمَ قُلْتُ لَا قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ مَا تَدْرِي أَنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا تَجْرِي فِيهَا أَوْدِيَةُ الْقَيْحِ وَالدَّمِ قُلْتُ أَنْهَارًا قَالَ لَا بَلْ أَوْدِيَةً ثُمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا سِعَةُ جَهَنَّمَ قُلْتُ لَا قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ مَا تَدْرِي حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر:67] فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هُمْ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ»[10].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْـمَدِينَةِ»[11].
ولأحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْـخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَقْعَدُ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكُلُّ ضِرْسٍ مِثْلُ أُحُدٍ وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانَ وَجِلْدُهُ سِوَى لَحْمِهِ وَعِظَامِهِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا»[12].
وإن سألتم عن حالِ أهلِ النار فحالُهم شر حال وهوانُهم أعظمُ هوان، وعذابهم أشد عذاب، ما ظنكم يا عباد الله بعذابٍ أهونُ أهله عذابًا من كان في أسفلِ قدميه جمرتان يغلي منها دماغه. وعن النُّعْمَانَ بن بشير سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتان يَغْلِي مِنْهما دِمَاغُهُ»[13].
ما ظنكم يا عباد الله بعذاب أهون أهله عذابًا من له نعلان من نار يغلي منها دماغه ما يرى أن أحدًا أشد من عذابًا وإنه لأهونهم عذابًا عَنْ النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْـمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا»[14].
ما ظنكم يا عباد الله بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف سنة ونزل عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ولم يأكلوا أكلًا ولم يشربوًا شرابًا حتى تقطعت أعناقهم عطشًا، واحترقت أمعاؤهم واحشاؤهم جوعًا ثم انصرف بهم إلى النار فيسقون من عين آنية، فلو رأيتموهم وقد سكنوا دارًا ضيقة الأرجاء، مظلمةَ المسالك، مبهمةَ المهالك، قد شُدَّت أقدامُهم إلى النواصي، واسودت وجوهم من كثرة المعاصي، يسبحون في النار على وجوههم ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ﴾ [الإسراء:97]، ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان:34] عن أَنَسُ بن مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؟ قَالَ قَتَادَةُ بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا[15].
﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴾ [القمر:48] فيسحبون على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم، والنار من تحتهم، والنار عن شمائلهم، والنار عن أيمانهم، فغطاؤهم من نار، وفراشهم من نار، وشرابهم من نار، ولباسهم من نار، ومهادهم من نار، فهم بين مقطعات النيران وسرابيل القطران، وجر السلاسل، يتجلجلون في أوديتها ودركاتها، ويضطربون بين غواشيها، قد جعل الله جلد الواحد منهم مسيرة ثلاث ومقعده ما بين مكة والمدينة وضرسه مثل جبل أحد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ»[16].
تغلى بهم كغلي القدور، ويهتفون على أنفسهم بالويل، ويدعون عليها بالبثور﴿ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ [الفرقان:14] فهل هناك خسارة أعظم من هذه الخسارة ﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ﴾ [هود:22] يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة؛ لأنهم استبدلوا بالدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المختوم بَسمُوم وحميم، وظِلٍّ من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غِسْلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد:
| النار منزل أهل الكفر كلهمُ |
| طباقها سبعةٌ مسودة الحُفرِ |
| جهنم ولظى من بعدها حطمة |
| ثم السعير وكل الهول في سقر |
| وتحت ذاك جحيمٌ ثم هاويةٌ |
| تهوي بهم أبدًا في حر مستَعر |
| فيها غلاظٌ شدادٌ من ملائكةٍ |
| قلوبهم شدةً أقسى من الحجر |
| لهم مقامع للتعذيب مرصدةٌ |
| وكل كسـرٍ لديهم غير منجبر |
| سوداء مظلمةٌ شعثاء موحشةٌ |
| دهماء محرقةٌ لوّاحة البشـر |
أيها المسلمون: فلو رأيتم حال أهل النار وهم على تلك الحال لرأيتم حالًا مهينة، قد صب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴿ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴿١٩﴾ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴿٢٠﴾ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴿٢١﴾ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الحج:19-23] يتفجر الصديد من أفواههم وتسيل أعينهم وأهدابهم على خدودهم ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ [النساء:56] فعندها يحاولون الخروج منها فتتلقاهم الملائكة الغلاظ الشداد ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم:6] معهم مقامع من حديد ﴿ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴿٢١﴾ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الحج:21-22] ينادون الله تعالى ويقولون ﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ﴿١٠٦﴾ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ [المؤمنون:106-107] ويقول لهم: ﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿١٠٨﴾ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [المؤمنون:108‑109] فإذا أيسوا لجأوا إلى مالك خازن النار فينادونه ألف عام يقولون: يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك قد تقطعت منا الكبود، يا مالك العدم خير من هذا الوجود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود، يا مالك ليقضي علينا ربك فيجيبهم بعد ألف عام﴿ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴿٧٧﴾ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ [الزخرف:77-78] أمانيهم في النار الهلاك، ومالهم من أسر جهنم فكاك.
أيها المسلمون: ما حال دار أماني أهلها أن يموتوا، فكيف بكم لو رأيتموهم وقد اسودت وجوههم فهي أشد سوادًا من الجحيم، وعميت أبصارهم، وأبكمت ألسنتهم، وقصمت ظهورهم، ومزقت جلودهم، وغلت أيدهم إلى أعناقهم، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم، وهم يمشون على وجوههم، ينادون الملائكة وخزنة جهنم يطلبون التخفيف من العذاب ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ﴾ [غافر:49] فيجيبونهم ﴿ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ [غافر:50] فتزداد حسرتهم، ويعظم مصابهم، وتنقطع أصواتهم فلا يسمع لهم إلا الأنين والشهيق والبكاء يبكون على تضييع أوقات الشباب، ويتأسفون أسفًا أعظم من المصاب، ولكن هيهات ذهب العمل وجاء الجزاء والعقاب، فيرسل البكاء عليهم فيبكون دمعًا حتى تنقطع الدموع فيبكون دمًا حتى يصبح في وجوههم مثل الأخاديد لو سيرت فيها السفن لجرت..
عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُرْسَلُ الْبُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ فَيَبْكُونَ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى يَصِيرَ فِي وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الْأُخْدُودِ لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهَا السُّفُنُ لَجَرَتْ»[17]. ويزيد الله في حسرتهم أن يريهم أهل الجنة وهم ينعمون فيها فينادون أهل الجنة يطلبون ماءًا أو طعامًا ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٥٠﴾ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ [الأعراف:50-51] ويزيد عذابهم شدة تذكرهم ما فاتهم بدخول النار، لقد فاتهم دخول الجنات، ورؤية وجه الرحمن، ورضوان الله تعالى. ويزيد حسـرتهم أن العذاب الذي هم فيه سببه شهوة ذاهبة. ولذة فانية. لقد باعوا جنة عرضها السموات والأرض بثمن بخس. باعوا الجنة بشهوات تمتعوا بها في الدنيا ثم ذهبت فكأنها وكأنهم ما كانوا ولا كانت، ثم لقوا عذاب طويلًا، وهوانًا مقيمًا. فيعاذا بالله من نار هذه حالها، وعياذا بالله من عمل هذه عاقبته ﴿ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ﴿٤٩﴾ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴿٥٠﴾ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٥١﴾ هَٰذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [إبراهيم:49-52]
ليس هذا تقنيطًا من رحمة الله، ولا لنيأس من روح الله، بل لنتذكر قوة الله، ونحذر سخط الله ونتقي عذاب الله، ونكف عن محارم الله، فإن أجسادنا على النار لا تقوى، وإن من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك ممن يؤمنك حتى يدركك الخوف.
أيها الناس: يقول تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٤٩﴾ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ [الحجر:49-50].
فليخشَ العبد ربه، فإن مقام الخوف والخشية من الله هو مقام العارفين، وبه ينالون جنة رب العالمين: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴾ [النازعات:40-41] جعلنا الله من أهلها، وأعاذنا من النار وعذابها..
﴿ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ [الفرقان:65].
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / منديل الفقيه