حجم الخط:

الإصلاح بين الناس

الخطبة الأولى:

الحمدُ لله، الحمدُ لله مُصرِّف الدهور، ومُيسِّر الأمور، ومُقلِّب الأيام والشهور، لا إله إلا هو له الحمدُ في الأولى والآخرة وإليه النشور، أحمدُه سبحانه وأشكرُه، وأتوبُ إليه وأستغفرُه، أعطَى وأجزَل، وأنعمَ وتفضَّل، ووقَى من الشُّرور، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً خالصةً صادقةً هي الشفاءُ لما في الصدور.

وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه قام بحقِّ ربِّه حتى تفطَّرَت قدَماه فهو العبدُ الشَّكور، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه آمَنوا بربِّهم، واتَّبَعوا رسولَه وما أُنزِل معه من النور، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما تعاقبَ العشيُّ والبُكور.

أما بعد:

فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فقوارِعُ الأيام داهِية.. فهل من أُذُنٍ لعِظاتها واعِية؟! ونوازِلُ الحُمام فاجِعة.. فهل القلوبُ لوقعَتها مُراعِية؟! ومقادِيرُ الآجال جارية.. فهل النفوسُ في الاستِعداد ساعِية؟!

أين الآباءُ الأكابِر.. وأين الأبناءُ الأصاغِر.. وأين الصديقُ المُعاشِر.. وأين الغريبُ وأين القريب.. وأين الغائِب وأين الحاضِر.. لقد عثَرَت بالجميع العواثِر.. ودارَت على أصحابها الدوائِر، ﴿ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [يونس:102].

أيها المسلمون: جاء الإسلامُ ليُطهِّر البشريةَ من أدران الجاهلية وأمراضها، ويُقوِّم السلوكَ ليستقيمَ على الفِطرة السويَّة. والرابطةُ بين أهل الإسلام هي رابطةُ الدين، وأُخُوَّة الإيمان، ولهذه الرابِطة معالِمها، من حُسن المُعتقَد، والمحبَّة، والسرور، وحب الخير للناس والفرح به، واجتِناب ما يُكدِّرُ على ذلك ويُشوِّشُ عليه، من الحسد والشحناء، والتهاجُر، والتباغُض، والسِّباب، والتنابُز بالألقاب. والناصِحون من عباد الله، المُحبُّون لخلق الله أهلُ أدبٍ ورحمة، وحبٍّ ومودَّة، وصدقٍ ووفاء.

معاشر الإخوة: وقد استوعبَت الشـريعةُ في شُمولها وعلاجِها كلَّ أمراض النفوس ومعايِبها، أقوالًا وأفعالًا، ومشاعِر وانفِعالات. وإن في مُستجدَّات العصر وتقنيَّاته ما وسَّع ذلك كلَّه ووسِعَه ابتلاءً وعلاجًا.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى: ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1].

معشر المسلمين: كثير ما يكون بين الناس منازعات وخصومات، وذلك نتيجة لاختلاف الأهواء والرغبات والاتجاهات، ومن ثم فإن المنازعات والخصومات تسبب البغضاء والعداوات، وتفرق بين المسلمين والقرابات، ومطلوب منا أن نسعى إلى الإصلاح بكل الوسائل والإمكانات، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10].

أيها المسلمون: لقد أرسل الله تعالى نبيه محمدا رحمة للعالمين؛ ليجمع على الإيمان قلوب المؤمنين، ويزيل من قلوبهم كل أسباب الشحناء، ويطهر نفوسهم من كل أسباب البغضاء، ليكونوا إخوانا متحابين، فإذا وجد بين بعضهم خصومة وشحناء ونزاع وبغضاء أمروا أن يتقوا الله، وأن يصلحوا ذات بينهم، وعلى المسلمين أن يسعوا في الإصلاح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «رد الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن»[1].

وقد قال تعالى: ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1]، أي أصلحوا ما بينكم من أحوال الشقاق والافتراق حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، ليكون المسلمان المتشاحنان متعرضين لمغفرة الله والجنة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس لكل عبد لا يشرك بالله شيئا وفي رواية: تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين فيغفر الله - عز وجل - في ذلك لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا»[2]

أيها المسلمون: لقد اهتم الإسلام بإصلاح ذات البين حفاظا على وحدة المسلمين، وسلامة قلوبهم، وإن الإصلاح يعتبر من أعظم وأجل الطاعات، وأفضل الصدقات، فالمصلح بين الناس له أجر عظيم، وثواب كريم، إذا كان يبتغي بذلك مرضاة الله تعالى، فأجره يفوق ما يناله الصائم القائم، المشتغل بخاصة نفسه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة»[3] ومعنى الحالقة: أي تحلق الدين. فهل يبخل أحد على نفسه بمثل هذا الفضل والأجر في الإصلاح بين الناس؟

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «كلُّ سُلامى مِن النَّاسِ عليهِ صدقةٌ كلَّ يومٍ تطلعُ فيهِ الشَّمسُ. قال: تعدِلُ بين الاثنينِ صَدقةٌ. وتُعينُ الرَّجلَ في دابَّتِه فتحمِلُه علَيها أو تَرفعُ لهُ علَيها مَتاعَه، صدقةٌ. قال: والكلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدقةٌ. وكلُّ خُطوةٍ تَمشيها إلى الصَّلاةِ صدقةٌ وتُميطُ الأذى عَن الطَّريقِ صدقةٌ»[4].

قوله: (تعدل بين الاثنين) أي: تصلح بينهم بالعدل.

أيها المسلمون: إن الإصلاح بين الناس تفضل فيه النجوى، وهي السـر ودون الجهر والعلانية، ذلك أنه كلما ضاق نطاق الخلاف كان من السهل القضاء عليه، لأن الإنسان يتأذى من نشر مشاكله أمام الناس، فالسعي في الإصلاح يحتاج إلى حكمة، وإلا فإن الساعي أحيانا قد يزيد من شقة الخلاف وحدته، قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].

أيها المسلمون: ولأهمية الإصلاح بين الناس رخص فيه الكذب، وذلك إذا كان سبيلا للإصلاح ولا سبيل سواه، عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا»[5]، قوله: «ينمي خيرا» أي: ينقل الحديث على وجه الإصلاح، وفي صحيح مسلم: قال ابن شهاب رحمه الله: (ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها).

فأما الكذب في الحرب فإن الحرب خدعة، ومن ثم فإن الأمر يستدعي التمويه على الأعداء، ويتحدث بما يقوي به أصحابه ويكيد به عدوه مثل أن يقول جيش المسلمين كبير وجاءهم مدد كثير.

وأما الكذب في الإصلاح بين الناس، فمثل أن يحاول المصلح تبرير أعمال كل من المتخاصمين وأقوالهما بما يحقق التقارب، ويزيل أسباب الشقاق والخلاف، وأحيانا ينفي بعض أقوالهما السيئة فيما بينهما، وينسب إلى كل منهما من الأقوال الحسنة في حق صاحبه مما لم يقله مثل أن يقول: فلان يسلم عليك ويحبك، وما يقول فيك إلا خيرا ونحو ذلك، وأما الكذب بين الزوجين، فقد قال ابن حجر رحمه الله: (المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط حقا عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها). وذلك أن الكذب بينهما قد يحتاج إليه أحيانا بحيث يخفي كل واحد منهما عن الآخر ما من شأنه أن يوغر الصدور، أو يولد النفور، أو يثير النزاع والفتن، ويزرع الشقاق والإحن، فمثلا لكل واحد منهما أن يخاطب الآخر بمعسول القول ما يزيد الحب، ويسر النفس، ويجمل الحياة يبنهما، وإن كان ما يقال كذبا، قال الخطابي رحمه الله: (كذب الرجل على زوجته مثل أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه؛ ليستديم بذلك صحبتها، ويصلح بها خلقها).

أسأل الله أن يجعلنا من الصالحين المصلحين، وأن يوفقنا لحسن العمل وصالح الأخلاق، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي بين سبل الفلاح، ورتب الرحمة على التقوى والإصلاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه وبحمده بالغدو والرواح، والمساء والصباح، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، جعله الله أسوة في الصلاح والإصلاح، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين سعدوا بالفلاح والنجاح، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى: ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1].

أيها المؤمنون: إن أطيب حياة يعيشها المؤمن والمؤمنة في هذه الدنيا، هي حينما يكون مراقبا لله حسن الطوية لعباد الله. فأصلح - أيها المسلم - ما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين الناس، واحذر أسباب الشحناء والبغضاء، وإذا جاء إليك أخوك معتذرا فأقبل معذرته ببشر وطلاقة؛ بل ينبغي أن تسعى أنت إلى إنهاء الشحناء وإن كان لك الحق، قال عمر رضي الله عنه : «أعقل الناس أعذرهم لهم»، وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: (لو أن رجلا شتمني في أذني هذه واعتذر إلي في أذني الأخرى لقبلت عذره)[6]، وروي أن الحسين بن علي كان بينه وبين أخيه محمد بن الحنفية خصومة - عليهم رضوان الله - وبعد أيام كتب محمد بن الحنفية رسالة ضمنها اعتذاره منه، فما إن وصل الكتاب إلى الحسن حتى قام لساعته وذهب إلى أخيه محمد، فالتقيا في منتصف الطريق، فتعانقا وبكيا وتصالحا.

أيها المسلم: إذا علمت أن بين اثنين من إخوانك أو قرابتك أو أرحامك أو أصحابك أو جيرانك شحناء أو قطيعة، فعليك أن تبذل وسعك وغاية جهدك في الإصلاح بينهما، وإياك أن تتكاسل عن هذا العمل الجليل من أجل الاستماع إلى إيحاءات الشيطان، وأقوال المخذولين الذين يقولون: أنت في عافية فلا تكلف نفسك فيما لا شأن لك به، بل عليك - وأنت تقدر على ذلك - أن تسعى لإزالة أسباب التفرق والشحناء بين أخويك، فالصلح خير وذلك رحمة بهما وشفقة عليهما وطمعا في فضل الله ورحمته التي وعدها من أصلح بين الناس، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10].

قال : «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم»، وذلك لما ينتج عنه من المفاسد، ولو لم يكن من شؤم الهجر والقطيعة إلا ما صحَّ عنه أنَّه قال : «تُفتَح أبوابُ الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكلِّ عبد لا يُشرِك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شَحناء، فيُقال: أَنظِروا هذين حتى يَصطَلِحا».

إنَّ الصلح بين المسلمين من الصدقات التي ينبَغِي أنْ يتقرَّب بها المؤمن كلَّ يوم إلى ربه؛ شكرًا له على أنْ عافاه في بدنه، كما في الحديث السابق المتفق عليه أنَّ النبي قال: «كلُّ سُلامَى من الناس عليه صدقةٌ، كلَّ يومٍ تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة».

أيها المسلمون: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فلقد كان يسعى بنفسه للصلح بين المتشاحنين مؤكدا بذلك أهمية الإصلاح بين الإخوة المؤمنين، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن ناسًا من بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء فخرج إليهم النبي في أناس من أصحابه يصلح بينهم. حتى أوشك أن تفوته صلاة الجماعة، وفي رواية قال: «اذهبوا بنا نصلح بينهم»[7].

فاتَّقوا الله أيُّها المؤمنون ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1]، وتغافلوا عن زلل بعضكم، واسعوا لتقوية النسيج الاجتماعي المسلم، فإن ذلك من مراضي الله، جعلني الله وإياكم من أهل محبته ومرضاته..

اعدلوا بين إخوانكم عند الاختِلاف، وتوسَّطوا بينهم عند النِّزاع والبغي، ولا سيَّما قراباتكم، ولا تتركوهم للشيطان وقُرَناء السوء يؤججون بينهم العداوات فيضلُّونهم عن سواء السبيل، ويهدونهم طريقَ الجحيم، أَصلِحوا بينهم تحفَظوا لهم دينهم، وتُحافِظوا على نعمتهم قبلَ زوالها، وتَفُوزوا من الله بالأجر العظيم والثواب الكريم.

هذا وصلوا وسلموا..

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /محمد بن علي المسعودي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة