حجم الخط:

الإيثارُ خُلق الكرام

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي جعل الإيثار، صفةً من صفات المتقين الأبرار، وسمةً من سمات المؤمنين الأخيار، أحمده سبحانه بما هو أهل من الحمد، وأثني عليه هو أهل الثناء والمجد، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حث على الإيثار والبذل، ونهى عن الأثرة والبخل، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدالله ورسوله، خير من آثر على نفسه وتصدق، وبسط يديه الشريفتين وأنفق، وعلى آله وصحبه الذين كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أَمَّا بَعْدُ:

فيا عباد الله: اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْـحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْـحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ.

فَقَالَ : «مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ. قَالَ: فَقَعَدُوا، وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَـمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: «قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ»[1].

أيها المؤمنون: البذلُ والسخاء، والجودُ والعطاء أخلاقٌ فاضلة، وصفاتٌ عظيمة، وخصالٌ حميدة، ما تحلى بها رجلٌ إلا أصبحَ محلَّ المدحِ والثناءِ عندَ جميعِ العُقَلاء.

وفي الأخلاقِ صِفَةٌ أرْفَعُ من هذِه الخصالِ مَرْتَبَة، وأَسمى مَنْزِلَة، وأعلى مَكانة، وهي أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بالشيء مع حَاجَتِه إليه، صِفَةٌ اتَّصَفَ بها المُتقونَ الأبرار، وأَفْلَحَ بها الصحبُ من الأنصار، وأثنى عليهمُ اللهُ بها في كتابِه فقال: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

صاحبُ الإيثارِ موعودٌ بخيرٍ مما آثَرَ به غيرَه: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٠﴾ [المزمل:20].

يُحَقِّقُ المُؤْثِرُ على نَفْسِهِ حَقَيقَةَ الإيمانِ بِصِدْقِ مَحَبَّتِهِ لغَيرِهِ ما يُحبُّهُ لِنَفْسِهِ، ففي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»[2]. بالإيثارِ تَتَأَلَّفُ القلوب، وتَقْوَى أَوَاصِرُ الأُخُوَّة، وتَعْظُمُ المَحَبَّة، وتَظْهَرُ الرَّحْمَة، ويسُودُ الإِلْفُ بَيْنَ أفرادِ المُجتمع، وتَخْفُتُ نَارُ التَنَازُعِ، وتَزُولُ الشّحْنَاء.

قال ابنُ القَيِّمِ رحمه الله: (الدينُ كُلُّهُ والمعاملةُ في الإيثار).

والإيثارُ -عبادَ الله- أنواعٌ وصُوَر، مِنْهَا ما يَتَعَلَّقُ بالخالق، ومِنْهَا ما يَتَعَلَّقُ بالخَلْق، وأَعْظَمُ أنواعِه وصُوَرِه: إيثارُ رِضَا الخَالِقِ على رِضا المخلوق كائنًا من كان، وفي الترمذيِّ مَرْفُوَعًا: «مَن الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مؤنَةَ النَّاسِ، وَمَن الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ»[3].

فيظهر إيثار رضى الله وتَجَرُّد النفسِ عن هَواهَا، واتِّبَاعُهَا الحّقَّ ولو خَالَفَ مُبْتَغَاهَا مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الإِيْثَارِ وأَعْلَاها، وأَعْظَمُهُ إِيْثَارُ الحَقِّ ولو كان فيه هَلَاكُ النَّفْس، كما فَعَلَ السَّحَرَةُ الذين آمنوا بموسى فقالوا لفرعون: ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]. ونَبِيُّنَا إِمَامُ المُؤْثِرِيْن، الذي آثر رضى الله على رضى الناس، والذي وقف أمام المشركين رافضًا كل إغراءاتهم ومحاولاتهم لصـرفه عن دين الله ودعوة الإسلام، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر، ما تركته، حتى يُظهره الله أو أهلك دونه.

وقد رَبَّى أَصْحَابَه على الإِيْثَارِ، ودَعَا إِلَيْه قَوْلًا وَعَمَلًا، فأَصْبَحَ هَدْيًا نَبَوِيًّا يَتَمَثَّلُهُ السَّلفُ في حَيَاتِهِم، ومَنْ تَأَمَّلَ الأحاديثَ والآثارَ وجَدَ أَرْوَعَ صُوَرِ الإِيثار.

جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ، اُكْسُنِيهَا، فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَجَلَسَ النَّبِيُّ فِي الْـمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ[4]. إنه كرم بالغ، وإيثارٌ جمٌّ مع ضِيْقِ العيشِ، وقِلَّةِ ذات اليد.

ولقد امْتَدَحَ النَّبِيُّ الأَشْعَرِيِّينَ، وهمُ قَبِيلةُ أبي موسى رضي الله عنه كما في الصحيحين عنه رضي الله عنه، فقال: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا [أي: فَنِيَ زادُهم] فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْـمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»[5].

وما زَالَ في المسلمين اليومَ مَنْ حَالُهُ كحَالِ الْأَشْعَرِيِّينَ، يتقاسَمُونَ الرَّغِيفَ والمَأْوَى، يُمَثِّلُونَ الجَسَدَ الواحِد، ويَضْـرِبُونَ أَرْوَعَ الأَمثِلةِ في الإيثارِ، لا سيما في أوقاتِ الأَزَمَات، والحروبِ، والكوارثِ والمُلِمَّاتْ، نَسْألُ اللهَ لَنَا ولَهُمُ الثَّبَات.

أقول هذا وأستغفر الله، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمدُ لله على إحسانِه، والشكرُ له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها المؤمنون: إن إيثارُ المُؤْثِرِين، وسَخَاءُ الصالحين، وكرم المنفقين، ينبغي أن يُقَابَل بِنَفْسٍ مُتَعَفِّفَةٍ غَيْرِ مُسْتَشْـرِفَة، لا أن يُقابَل بالطمع وكثرة التطلع إلى ما في أيدي الناس، ففي الصحيحين عن أَبِي سَعِيدٍ الْـخُدْرِيِّ رضي الله عنه: أنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ؛ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ»[6].

وتَأَمَّلْ كَيْفَ قَابَلَ عَبْدُ الرحمن بن عَوفٍ -وهو من المهاجرين- إِيْثَارَ أَخِيْهِ سَعْدِ بن الرَّبِيْع -وهو من الأنصار- حِيْنَ آخَى بينهما النبي ، فعَرَضَ عَلَيْهِ سعد بن الربيع مَالَهُ فَقَال: «أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَأُزَوِّجُكَ»، فكانَ جَوابُ عَبْدِ الرحمن أن قال له: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، ولكن دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ». فذهب واتَّجَر، حتى أثرى وكثر ماله وبارك الله له في تجارته.

عباد الله: لَقَدْ جَاءَ الإِسلاَمُ الحَنِيفُ حَاثًّا عَلَى أَحْسَنِ الخُلُقِ وأَجْمَلِ الصِّفَاتِ، وأَنْبَلِ القِيَمِ وأَفْضَلِ السِّمَاتِ، ونَبْذِ كُلِّ مَا هُوَ مَذْمُومٌ مِنَ الطِّبَاعِ والعَادَاتِ، ومِنَ الصِّفَاتِ التِي ذَمَّهَا الإِسلاَمُ صِفَةُ الأَثَرَةِ، وهِيَ تَعْنِي الاستِبْدَادَ وحُبَّ التَّمَلُّكِ والأَنَانِيَّةَ، وهِيَ ضَرْبٌ مِنْ ضُروبِ الشُّحِّ والبُخْلِ، وسَبَبٌ لِمَنْعِ مَا أَمَرَ اللهُ مِنَ الإِنْفَاقِ والبَذْلِ، و كما أن الإيثار خلقٌ محمود، وأدب رفيع، فإن الأنانية والأثرة خلق مذموم، وإن تَفْضِيلُ الإنسانِ نَفْسَهُ دائمًا على غَيْرِهِ، بِحَيْثُ لا يَهْدِفُ إلا لِنَفْعِهِ الخَاصِ وإن كان على حساب ضرر غيره، يُعَدُّ أَثَرَةً قَبِيْحَةً، وأنانيةً ذَمِيمَة، حَذَّرَ منها النبيُّ فقال -كما في سنن أبي داود، وغيرِه-: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ! فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا»[7].

والشُحُّ على المؤمنينَ بالخيرِ والبِرِّ والمعرُوف سِمَةٌ من سِمَاتِ المنافقين، قال تعالى في مَعْرِضِ ذَمْهِّم: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب:19].

وإن من الأنانية والأثرة ما يحصل بين المتنافسين في أمر من أمور الدنيا، فيطغى عليهم الحسد والحقد والمكر والكيد، بل والتعدي والظلم والكذب، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق ومرذول الطباع التي تغذيها الأثرة والأنانية والشح، ولو وجد الإيثار لذهب ذلك كله، ولعاش الإنسان في سلام مع نفسه ومع من هم حوله، وصدق الله: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

ومن أقبح الأنانية والأثرة: ما يُرى من تبجُّح المترفين، وتبذير المسـرفين، من الميسورين وأهل الثراء، الذين يتباهون بالترف والسّرَف فيما لا طائل منه، دون أدنى مراعاة لما أولاهم الله وابتلاهم به من النعم والستر والكفاية، ودون أن يلتفتوا إلى من أثقلتهم الديون، وتكالبت عليهم الهموم، وتقطعت بهم السبُل، من المحتاجين والمعوزين، فترى أحدهم ينفق النفقة الباهضة والمال العريض في الأمر التافه، فخرًا وبطرًا ورئاء الناس، ووالله لو صرفها في أوجه الخير والبر لأغنت فئامًا من الناس، ولملأت بطون عشـرات أو مئات، وربما آلاف الجوعى ممن لا يجدون ما يأكلون.

فهل يتقي الله هؤلاء؟ إنه لم يُطلب منهم الإيثار إلى الحد الذي قد يحرموا فيه أنفسهم مما يحتاجون، ولا أن يمنعوها من مُتَع الحلال التي فيها يرغبون، مع توسط، ودون سرَف أو مخيلة، وإنما ليُخففوا من نفقاتهم التي لا حاجة لها ولا نفع من ورائها، فليتقوا الله، ولا يوغلوا في التبذير والإسراف، فذلك كفر بالنعمة مؤْذِنٌ بزوالها، وقد قيل: ما شبع غنيٌ وأُتخِم، إلا بجوعة فقير مُعدِم.

والناس شتَّى في الخلال وخيرُهم

من كان ذا فضلٍ وذا إيثارِ

أيها الأحبة: ومن الكرم والإيثار: الصدقة، والهديةُ، والقيامُ بِخِدْمَةِ الوالدين والأقربين والأَصْحَابِ، والمُشَارَكَةُ في خِدْمَةِ الحَيِّ والمُجْتَمَعِ، والعَفْو عن الأَخَطَاءِ، والسعيُ في الإصلاح، والمساهمةُ في المعروف، وتقديمُ شيءٍ من المالِ للخير وتعليم القرآن والسنة والعلوم النافعة، ونُصْرَةُ المظْلُومين، وسَدُّ عَوَزِ المُحتَاجِين، فتلك أَعَمالٌ يَقُومُ بِها مَنْ اتَّصَفَ بالإيثار وكرم النفس وعلو الهمة وشهامة الطبع، والمُسارعَةِ بالجودِ والمُبادرةِ إلى البَذْلِ والعَطَاء..

وإن الإيثارُ -عبادَ الله- إنما يكون في أمورِ الدنيا وحظُوظِ النفس، وأما القُرُباتُ والطاعات فلا إيثارَ فيها، بل الصواب هو التنافس والمسارعة والاستباق إليها.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصينا للبر والتقوى، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة