الحمد لله الذي هَدانا للإِسلام، وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسُل ربنا بالحقِّ المبين، أحمده سبحانه، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإِسلام دينًا إلى يوم الدِّين، ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران:85].
وأشهد أنْ لا إلا الله، وحده لا شريك له، ربُّ العالمين، وإلهُ الأوَّلين والآخرين، أتقَن ما صنع، فما ترى في خَلْق الرَّحمن من تفاوت، فتبارك الله أحسن الخالقين، وأكمل ما شرع، فأغنى عن الزيادات والبِدَع، وحفظ الذِّكر فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تَنْزيل من حكيم حميد.
وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله النبيُّ الأمين، والرسول المبين، وإمام المُتَّقين، وخِيرَة الله من خلقه أجمعين، الذي بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصَح الأمة، وترَكَها على بيضاء نقية، لا يزيغ عنها إلا هالك: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء:115] صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102]
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
جاء رجل إلى إمام دار الهجرة مالك بن أنس، في مدينة النبي ﷺ، فقال له: من أين أُحرم يا إمام؟ فقال له مالك: (أَحْرِم من ذي الحُليفة، من حيث أحرم رسول الله ﷺ. فقال: ولكني أريد أن أُحرِم من المسجد من عند القبر؟ فقال له الإمام: لا تفعل، رحمك الله، فإني أخشى عليك الفتنة. فقال الرجل: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها؟ فقال مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقتَ إلى فضيلة قصّـر عنها الرسول ﷺ، إني سمعت الله يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور:63]).
أيها المسلمون: يقول تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة:3]، كتابُ الله سبحانه وسنّة رسوله ﷺ لم يترُكا في سبيل الهِداية لقائل ما يقول، ولا أبقيا لغيرهما مجالًا يُعتَدّ به، فالدين قد كَمُل، والسعادة فيما وضع، والطِلْبة فيما شرَع، وما سِوى الحق ليس إلا ضلالٌ وبهتانٌ وإفكٌ وخسـران، والعاقد عَليهما بكِلتا يديه مستمسكٌ بالعروة الوثقى، محصِّلٌ للخير دنيا وأخرى.
إخوة الإيمان دين الإسلام مبنيٌّ على أصلين عظيمين وركيزتين أساسيتين: الإخلاص لله جل وعلا والاتّباع لهدي المصطفى ﷺ، ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف:110].
وخيرُ طريق يكون به الاتِّباع المحمود ويحصُل به الاقتِداء المنشود هو طريق نبيِّنا ﷺ؛ إذ هو الَمعِين الصافي، ومصدَر النور والهدى، وإشعاع الخير والفلاح والزكاء، والبُعد عن هذا الطريق والجنوح عنه بليّةٌ عظمى وفِتنةٌ كبرى يدعو إليهَا إبليسُ وحِزبه، يستغِلّ جهلَ بعضِ المسلمين لدينهم وميلهم إلى أهوائهم، فيزيِّن لهم ما ليس بمشـروع، ويُحسّن لهم ما ليس بمحمود، يُحدث لهم رهبانيّة مبتدَعة وشرائعَ محدثة تنأى بهم عن عِلم السنّةِ المطهرة، يُسوّغ لهم التعصّبَ للآراء والرِّجال لِيحولَ بين المرءِ واتِّباع الدليل وسبيلِ الحقّ، وبذا انحرَف بعضٌ عن سواءِ السبيل، فشوَّهوا حقيقةَ الدين، وأصبحوا لا يفرّقون بين حقٍّ وباطلٍ، ولا يعرفون السنَّة من خلافِها، فظنوا الحسنَ قبيحًا والقبيحَ حسنًا، فصدق فيهم قول المولى جل وعلا: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف:103-104]، فما يفتح لهم الشيطان بابًا من الضّلال إلا ولَجُوه، ولا يُزيِّن لهم طريقًا من طُرقِ البدَع إلاّ سلكوه.
أيّها المسلمون: لا شيءَ بعد الشرك أعظم فسادًا للدّين وأشدّ تقويضًا لبنيانه وأكثر تفريقًا لشمل الأمّة من البدع؛ فهي تفتِك به فتكَ الذئب في الغنم، وتنخر فيه نخرَ السوس في الحبِّ، وتسري في كيانه سَريان السرطان في الدّم، وتشتعل فيه اشتعال النار في الهشيم، فلقد جَعَلَت المسلمين شِيعًا وأحزابًا، شتَّتتْ شملهم، وجعلتهم لقمةً سائغةً لأعدائهم؛ إذ فيها البُعد عن الصراط المستقيم والهديِ المستبين، وقد قال الله﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام:153].
ومن هنا إخوة الإيمان جاءت النصوص المتكاثرة والأدلة المتضَافِرة في وجوبِ اتّباع السنَّة والتحذير من البدعةِ وبيان سوءِ عاقبتِها في الدنيا والآخرة، يقول سبحانه: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ [آل عمران:106]، قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: «تَبْيَضُّ وجوه أهل السنة، وتَسْوَدُّ وجوه أهل البدع». ويقول عزّ شأنه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام:159].
ولذا فمن له عقلٌ رشيد ورأيٌ سديدٌ يجِد عظمَ المصائب والفتَن التي وُجِدَت في هذه الأمّة عبر تاريخها إنما ترجع في أصلها ولو من طَرْفٍ خفيّ إلى الإفراط أو التفريط، الغلوّ أو التقصير، في هدي النبي ﷺ، وما تفرَّقت الأمّة أحزابًا وشيَعًا إلاّ بسبَب التنكُّبِ عن الصـراط المستقيم والهديِ النبويّ الكريم، ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ [الأنعام:65]، قال مجاهد وغيره: (هذه لأمّة محمد ﷺ).
أتباعَ محمد ﷺ!
لقد كان نبيُّنا عليه أفضلُ الصلاة والسلام حَريصا على أمّتِه مشفِقا عليهم رَحيما بهم، فحذَّرهم من الابتِداع أشدَّ التحذير، وأوصاهم باتّباع سنّته وسنّة خلفائه الراشدين، فقال: «عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ عَضُّوا عليها بالنواجذ»[1]؛ فلا تخالفوا أمرَه، ولا تنتهِجوا غيرَ نهجه، تمسَّكوا بهديه، واستنّوا بسنّته؛ يكن منهجُكم سويًّا سليمًا وصحيحًا مستقيمًا، فإن ما خالف هديه ليس بدين مقبول، ولا شرع متبوع، في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»[2]، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»[3]، قال العلماء: (وهذا الحديث ثلُث العِلم؛ لأنّه جمع وجوهَ أمرِ المخالفَة لأمره ﷺ).
لقد أوجز لنا ﷺ مَكمَن الخير ومستَودَع السلامة والأمنِ في اتباع سنته وهديه، وأبان لنا أصلَ الشرّ والفساد بما ابتُدع في دينه مما لم يأتِ عنه قولًا وفعلًا، فيقول محذِّرًا: «وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور؛ فإنّ كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»[4]. وكان ﷺ يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد: فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ رسولِ الله، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة»[5].
أيها المسلمون: إن النبي ﷺ -وهو رسول الله- لم يكن ليزيد في شرع الله من عنده ما ليس منه، فهو القائل كما أمره ربه: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ﴾ [الأنعام:50]، فلم يكن ينطق إلا بما أُمر، ولم يكن يشرّع إلا وفق ما أوتي، ما أحل إلا ما أحله الله لعباده، ولا حرم إلا ما حرم الله عليهم.
وعلى نهج السنة والهدَى سار سلفنا الصالح من صحابةِ رسولنا ﷺ وأتباعهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين من أهل الحديث والأثَر، فهُم بالوحيَين مستمسِكون، وعن غيرهما حائدون، وبذا فازوا بحُسن الثنَا، وعظيمِ السيرةِ والهُدى، أجمعَت أقوالُهم على ذمِّ البدَع والنهي عنها والتحذير من عاقبتها.
فهذا صِدّيق الأمّة أبو بكر رضي الله عنه يقول: «إنما أنا متّبِع، وليس بمبتدع، فإن استقمتُ فتابِعوني، وإن زغتُ فقوِّموني»، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: «كلُّ عبادة لا يتعبَّدُها أصحابُ رسول الله ﷺ فلا تعبَّدُوها؛ فإنَّ الأوّل لم يدَع للآخرِ مقالًا».
كُلّيةٌ مُجْمَعٌ عليها، وأصلٌ متَّفقٌ عليه بينَهم ╚، قال أنس رضي الله عنه: «اتَّبعوا آثارنا، ولا تبتدعوا، فقد كُفِيتم»، وينبِّه حبرُ الأمّة ابن عباس رضي الله عنهما على لزوم الاتّباع والحذَر من الابتداع فيقول: «عليكم بالأثر، وإياكم والبدَع، فإنَّ من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمضِ به سنة رسول الله ﷺ لم يدرِ ما هو عليه إذا لقِيَ الله عز وجل »، وكان رضي الله عنه يوصي من لقِيَه بتقوَى الله والاستقامةِ والاتّباع وترك الابتداع.
وها هم التابعون لهم من أهلِ الحديث والأثَر يأخذون منهَجَهم ويرتَسِمون خطاهم، فقد جاء عن غير واحد منهم قوله: (صاحِب البِدعة لا يَزداد اجتهادًا من صلاةٍ وصيام إلا ازدَاد من اللهِ بُعدًا).
واسمع أخي المسلم لجهبذ من جَهابِذة الحديث وعلَم من أعلام السنّة المطهرة، عبد الله بن المبارك إذ يقول: (اعلم أخي، أنَّ الموتَ كرامةٌ لكل مسلم لقيَ الله على السنة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وحشتَنا وذهابَ الإخوان وقِلّة الأعوان وظهورَ البدَع، وإلى الله نشكو عظيمَ ما حلَّ بهذه الأمة من ذهابِ العلماء وأهلِ السنة وظهور البدع).
ومن محاسِن كلامِ العلماء قولُ بعضهم: (اختلاف الناسِ كلِّهم يرجع إلى ثلاثة أصول، فلكلِّ واحدٍ منها ضدّ، فمن سقَط عنه وقع في ضدِّه: التوحيد وضدُّه الشّرك، والسنة وضدّها البدعة، والطاعة وضدها المعصية). وما أروع كلامَ الجنيد حين يقول: (الطرُقُ كلُّها مسدودةٌ على الخَلق إلا على من اقتفَى أثرَ الرسول ﷺ، ولا مقامَ أشرف من مقام متابعةِ الحبيب ﷺ في أوامره وأفعاله وأخلاقه).
أيّها المسلمون: البِدعة ما أُحدِث في الدين على خلافِ ما كان عليه النبي ﷺ والأربعةُ الخلفاء الراشدون، إمّا بالاعتقاد بخلاف الحقّ الذي دلّ عليه الكِتاب والسنّة، وإمّا بالتعبُّد بما لم يأذَن به الله من الأوضاع والرسوم المحدثة.
وليس في الدين بدعةٌ حسنة، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: (فقوله ﷺ: «كل بدعة ضلالة»[6]. مِن جوامع الكَلِم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدّين، فكلّ مَن أحدث شيئًا ونسبَه إلى الدين ولم يكن له أصلٌ من الدين يرجِع إليه؛ فهو ضلالة والدين بريءٌ منه، وسواء كان ذلك في مسائِلِ الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة)، وما أجمل قولَ إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله إذ يقول: (من ابتدَع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أن محمّدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأنّ الله يقول: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة:3]، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا).
يا دعاةَ الخير! العِلمُ أمانة أنتم مطالبون بأدائها وإظهارها، وإظهارُ العلم هو إظهارُ السنة والدّعوة إليها بكلِّ ممكن، قيل للوليد بن مسلم رحمه الله: ما إظهارُ العلم؟ قال: (إظهارُ السنة).
والتنبيه على البدع سبيلُ الصالحين ومَنهج الصحابةِ والتابعين، ولكن ذلك يحتاج إلى فقه، ليحقق مقاصد الشارع، فيكون بالحِكمة والموعظةِ الحسنة، والموازنةِ بين الحَزم واللِّين، والمصلحة والمفسدة، والأهم والمهم، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو في القرن الأول: «ألا وإني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلاّ الله، قد فَنِيَ عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى حسبوه دينًا، لا يرونَ الحقَّ غيره»، لذا كان يأخذ الناس بالتدرُّج شيئًا فشيئًا، فماذا نقول نحن اليوم؟
ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إنَّ عند كلّ بدعة كِيد بها الإسلام دليلًا من أوليائه يذبّ عنه وينطق بعلامتها، فاغتَنِموا حضورَ تلك المواطن وتوكَّلوا على الله، وكفى بالله وكيلًا».
وإن سكوت من يعلمون عن الإنكارِ على البدَع وأهلها يصيِّرها وكأنَّها سننٌ مقرَّرات وشرائع محرَّرات، قال الأوزاعيّ رحمه الله: (إنَّ السلف ﭭ تشتدّ ألسنتهم على أهل البدع وتشمئزّ قلوبهم منهم ويحذِّرون الناسَ بدعتَهم، ولو كانوا مستَتِرين ببدعتهم دون الناس ما كان لأحدٍ أن يهتِك سترًا عليهم ولا يظهِرَ منهم عورَة، الله أولى بالأخذِ بها وبالتوبة عليها، فأمّا إذا جاهروا بها فنشـر العلم حَياة، والبلاغ عن رسول الله ﷺ رَحمة، يُعتصَم بها على مُصِرّ ملحد).
ثمّ إنَّ منهجَ السلف عدمُ الإسراف في إطلاقِ كلِمة البدعة على كلِّ أحد خالَف بعض المخالفات، إنما يصِفون بالبدعة من فعل فِعلًا لا أصلَ له من الشّرع ليتقرَّب به إلى الله جل وعلا ، فليس كلُّ عاصٍ ومخطِئ مبتدِعًا.
ومَنهج السلف ﭭ مع المبتَدِع مناصحتُه وإقامَة الحجّةِ عليه بكلِّ حِكمة ولين، ومتى عاند واستكبَر عن الحقّ وجَب هجرُه إن كانت بدعتُه مكفِّرة، وإن كانت دونَ ذلك فالأصل هو الهَجر إلاّ إن كان في هجره مفسدة وكان في مجالَسَتِه مصلحةٌ ظاهرة لتبيين الحقّ والتحذير من البدعة، وإلاّ وجب الابتعاد عنه، ويلحق بذلك ترك النظر في كتب هؤلاء خَوفًا من الفِتنة بها أو تَرويجها بين الناس، إلا لمن كان عنده من العِلم والبصيرة ما يحذَر به من شرِّها.
أيها المسلمون: مِن مفهوم الولاء والبراء في الدين عدمُ تعظيم المبتدِع أو الثناء عليه مطلقًا، فهذا دَأب المؤمنين الصالحين المعتصمين بكتابِ الله المهتدينَ بهدي رسول الله ﷺ.
فاتقوا الله عباد الله، واستجلبوا محبة الله باتّباع هدي نبيه: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران:31]. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابِه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول ابن القيم رحمه الله: (أهل الإسلام في الناس غرباء والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع هم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا فلا غربة عليهم).
لقد بايع الصحابة محمدًا ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسـر واليسـر، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، متبعًا لآداب النبوة، حريصًا على التحلي بكريم الشمائل وجميل الفضائل، في الشدة والرخاء، والغُربة والكربة، قال الإمام أحمد لإبراهيم بن هانئ: (ليس ينبغي أن يتبع الرسول ﷺ في الرخاء ويترك في الشدة).
وأوصى الخلفيةُ الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله أحدَ ولاته فقال: «أوصيك بتقوَى الله والاقتصادِ في أمرِه واتِّباع سنة نبيّه ﷺ وتركِ ما أحدثَ المحدثون بعدما جرَت به سنّتُه وكُفُوا مؤنته، فعليك بلزوم السنّة، فإنها لك بإذن الله عِصمة، ثم اعلم أنه لم يبتَدِع الناس بدعةً إلا قد مضى قبلَها ما هو دليلٌ عليها أو عِبرةٌ منها، فإنَّ السنة إنما سنّها من قد علِم ما في خلافها من الخطأ والزّلل والحمقِ والتملّق، فارضَ لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فقد قصـر قومٌ دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فضلّوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدي مستقيم».
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عيه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة وأبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم».
وقال أيضا: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه لرسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئا فهو عند الله سيء». وقد قال الله في نبيه وأصحابه: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ [البقرة:137].
قال الإمام أحمد: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم). وقال لبعض أصحابه: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذنا )، أي: السنّة وأحاديث النبي ﷺ!
| خُذْ مَا أَرَدْتَ مِنَ |
| الأَنَا مِ وَدَعْ وَلا تَتَشَدَّدِ |
| أَمَّا إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ |
| فَغُضَّ طَرْفَكَ تَسْعَدِ |
| مَا اخْتَارَ رَبُّكَ |
| أُسْوَةً غَيْرَ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ |
أيها المؤمنون: اجعلوا قدوتكم وقدوة أبنائكم وأهليكم أحاديث المصطفى وآداب النبوة، فإنه ليس في الدين قدوة مطلقة لمؤمن يرجو الله واليوم الآخر إلا النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب:21]، فطاعته طاعة لله، ومعصيته معصية لله: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء:80]، طاعته هي الهداية بحذافيرها، ومعصيته هي الضلالة بعينها: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور:54]، من أطاعه عليه الصلاة والسلام واتبع هديه وسنته نال شرف محبة الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران:31]. فخذوا كل ما عنه جاءكم، واتبعوا كل ما صح من سنته عندكم، (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)،
| فبالسنة الغراء كن متمسكًا هي |
| العروة الوثقى التي ليس تُفصمُ |
| تمسك بها مسك البخيل بماله |
| وعضّ عليها بالنواجذ تسلمُ |
| ودع عنك ما قد أحدث الناس |
| بعدها فمرتع هاتيك الحوادث أوخمُ |
عليكم بسنة نبيكم، أحيوها في حياتكم، وتمثلوا آدابها في معاشكم؛ تفوزوا بخيرَي الدنيا والآخرة، فمن أراد النجاه فعليه بلزوم السنة واتباع الأثر، في قوله وفعله، فطوبى لمن كان محبًا لهدي النبوة، ملتمسًا من مشكاتها، فلا تراه ينطق إلا بالخير، ولا يمشي إلا إلى خير، ولا يحرك جوارحه إلا بخير، بل لا يشتغل قلبه إلا بما يرضي الله، فهو محب لنبيّه، متّبع لهديه، يتحرى مواضع الاقتداء به قولًا وفعلًا، في حال الحضر والسفر، والصحة والمرض، والفقر والغنى، والرضى والغضب، يا طوبى لمن كان هذا حالهم، ما أقلّهم هذه الأيام، وما أشد غربتهم بين الأنام، اللهم اجعلنا من أتباع نبيك، ومن أحب الناس إليه وأقربهم منه يوم القيامة.
اللّهمّ صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /حسين بن عبد العزيز آل الشيخ