حجم الخط:

التحذير من أصناف الشرك

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونتوب إليه، ونستغفره ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، المعبود بحق سبحانه، لا ند له ولا شريك ولا ولد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من قام بحق ربه عليه، فعبد ربه حتى أتاه اليقين.

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، الذين عرفوا ما لربهم من الحق، فقاموا به خير قيام، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله في الورود والصَدَر، وراقبوه فيما بطن من الأمور وظهر، واعبدوه حق عبادته في الآصال والبُكر، واشكروا نعمه فقد تكفّل بالمزيد لمن شكر، وخافوا مقامه واحذروا بطشه كل الحذر، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

أيها المسلمون: اقدروا الله حق قدره، وانظروا في دلائل عظمته، وتفكروا في آياته وآلائه وملكه وسلطانه، وعجائب خلقه وإبداعه؛ لتزدادوا به إيمانًا، وتخرّوا له إذعانًا وخضعانًا.

يقول تبارك وتعالى في كتابه المبين: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذاريات:20]، ويقول جل وعلا: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران:190]، خلقٌ هائلٌ عجيب، وكونٌ عظيم مَهيب، شرق وغرب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج وعذب، وشموس وأقمار، ورياح وأمطار، وليل ونهار، وحبّ ونبات، وجمع وأشتات، وأحياء وأموات، وآيات في إثرها آيات، فسبحانه من إله عظيم، أوضح دلالته للمتفكرين، وأبدى شواهده للناظرين، وبين آياته للغافلين، وقطع عذر المعاندين، وأدحض حجج الجاحدين، ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14].

يقول عبد الله بن مسعود: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله عز وجل فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» أخرجه الدارمي.

ويقول النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة»[1]. وروى ابن جرير في تفسيره بسنده عن ابن عباس أنه قال: «ما السموات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم».

أيها المسلمون: وإن من دلائل عظمة المولى وقدرته جل وعلا ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود قال: جاء حبرٌ من اليهود إلى رسول الله فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يهزهنّ ثم يقول: «أنا الملك، أنا الملك»، يقول عبد الله بن مسعود: فلقد رأيت النبي يضحك حتى بدت نواجذه تعجبًا وتصديقًا لقوله، ثم قال النبي: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67][2].

وقال: «أُذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، إنَّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام»[3].

وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير»[4]. فسبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة لا إله إلا هو الحي الذي لا يموت.

أيها المسلمون: تلك بعض النصوص التي تدل على آيات الله الظاهرة، وقدرته القاهرة، وعظمته الباهرة، فهل قدرنا الله حق قدره؟! هل عظمناه حق تعظيمه؟! هل قمنا بحقه جل وعلا علينا، ونحن خلقه وعبيده؟!.

يقول معاذ بن جبل: كنت ردف رسول الله على حمار يقال له: عُفير، فقال: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله عز وجل أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا»[5].

أيها المسلمون: إن من أظلم الظلم وأعظم الإثم الإشراك بالله، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به، ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، ويقول جل وعلا: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠﴾ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:30-31].

عباد الله: احذروا الشـرك وطبائعه، ووسائله وذرائعه، واعلموا أن العلم به طريق الخلاص منه، يقول حذيفة بن اليمان: «كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. متفق عليه».

أيها المسلمون: إن مما يؤسف له وقوع بعض المسلمين ممن قصر في باب العلم باعهم، وقلّ في شرع نبيهم محمد نظرهم واطلاعهم، وقوعهم فيما يناقض أصل التوحيد المقصود، أو كماله المنشود، مما يوجب التنويه والتنبيه على مسائل وأحكام في توحيد العبادة والطاعة للملك العلام، جاءت براهين القرآن الساطعة، وحجج السنة القاطعة ببيانها أيما بيان، وإيضاحها بما يروي الظمآن، ويغيث اللهفان، ويهدي الحيران، ويظهر أولياء الرحمن على أولياء الشيطان، ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان:33].

أيها المسلمون: إن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ والمباني، حتى ولو لم يُقصد قبيح المعاني، والحلف بغير الله شرك أصغر، وصاحبه على إثم وخطر، وإذا قام بقلب الحالف أن المحلوف به يستحق التعظيم كما يستحق الله صار شركًا أكبر، يقول رسول الهدى: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»[6]، وقال ﷺ: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون»[7].

فلا يجوز الحلف بنبي أو ولي أو جني أو الكعبة أو الشرف أو الحياة، ولا يجوز الحلف إلا بالله أو أسمائه أو صفاته، ومن حلف بغير الله وجب عليه التوبة وعدم العودة.

أيها المسلمون: اجتنبوا الألفاظ الشركية المستشنعة، والكلمات المنهية المستبشعة، المقتضية مساواة الخالق بالمخلوق، كقول: ما شاء الله وشئت، ومالي إلا الله وأنت، وتوكلت على الله وعليك، وما جاء في معناها. فقد جاء أن رجلًا قال للنبي: ما شاء الله وشئت فقال: «أجعلتني لله ندًا؟! بل ما شاء الله وحده»[8].

عباد الله: توسلوا إلى الله بأسمائه الحسنى وصفات العلى، توسلوا إليه بإظهار حاجتكم وضعفكم وافتقاركم إليه جل وعلا ، توسلوا إليه بالعمل الصالح الحميد، وأعظمه تجريد التوحيد من ألوان الشرك والتنديد. توسلوا إليه بالتوسلات المشـروعة، وإياكم والألفاظ المبتدعة والتوسلات المختـرعة، التي هي من ذرائع الإشراك برب الأملاك والأفلاك، كالتوسل بجاه النبي أو حرمته أو بركته أو حقه، أو حق الأولياء، أو غير ذلك من التوسل الممنوع والدعاء غير المشروع.

أيها المسلمون: احذروا ما يفعله الطغام وبعض العوام من التعلق بالتمائم والعزائم، فيلبسون الحلق والخيوط، وينظمون الودعات، ويعلقون الحروز والعظام والخرزات، ويحملون أنياب الذئاب وجلود الحيوانات، يعلقونها على الرقاب والدواب والأبواب، معتقدين دفعها الضراء وبوائق اللألواء، ورفعها البأساء وطوارق البلاء، ومنعها عين العائنين وحسد الحاسدين، وكل ذلك من الإشراك الموقع في الردى والهلاك؛ لأن الذي يجب أن يلجأ إليه، وأن تنزل المهمات والملمات عليه، إنما هو الله جل في علاه: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٧﴾ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:17-18].

أيها المسلمون: إن تلك الخرافات والمعلقات لا تعصم من الآفات، ولا تحمي من الأمراض والبليات، والواجب نبذها ونزعها وطرحها وقطعها، قال عليه الصلاة والسلام: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له»[9]، وله أيضًا أن رسول الله أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله، بايعت تسعة وتركت هذا! فقال: «إن عليه تميمة»، فأدخل يده فقطعها فبايعه بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، وقال: «من علق تميمة فقد أشرك»[10].

ورُوي أن حذيفة بن اليمان رأى رجلًا وفي يده خيط من الحمى رُقي له فيه، فقطعه حذيفة وقال: «لو مت وهو عليك ما صليت عليك»، وتلا قوله تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].

أيها المسلمون: إياكم والذهاب إلى السحرة والكهان والمشعوذين والرَمَّالين والعرافين والمنجمين، وأهل الأبراج وقراءة الكف والفنجان والحازرين، الذين يدعون علم المغيبات، والكشف على المضمرات، فإنهم أهل غش وتدليس، وخداع وتلبيس، ونمنمات وتمتمات، وخرافات وخزعبلات، واستعانة بالجن واستغاثات، وحُجب تحوي حروفًا وأرقامًا وإشارات، بل إنهم يطلبون ممن يأتيهم ذبح حيوانات بألوان وصفات، يلطخون بدمها الأجساد والحيطان والعتبات، وهم في ذلك يتقربون للجان، ويعبدون الشيطان، ويشـركون بالرحمن، وقد قال: «لعن الله من ذبح لغير الله»[11].

ومن تلبيسهم وتدليسهم إعطاؤهم من يأتي إليهم أشياء تدفن وتغرق، وأخرى تسجر وتحرق، إلى غير ذلك من دخائلهم الكدرة، ودفائنهم القذرة، فاحذروا عباد الله إتيانهم أو سؤالهم أو تصديقهم، فقد قال الصادق المصدوق: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»[12]، وقال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»[13].

وعن عمران بن حصين مرفوعًا: «ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحر له»[14].

أيها المسلمون: حافظوا على صفاء التوحيد من الكدر، وكونوا من لوثات الشـرك على حذر، واعلموا أنه لا يجوز التبرك بشجرٍ أو قبرٍ أو حجرٍ، أو بقعة أو غارٍ أو عينٍ أو أثر، فعن أبي واقد الليثي أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله إلى حُنين، وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم - أي تبركًا بها - يقال لها: ذات أنواط، فمروا بسدرة خضـراء عظيمة، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى»: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138]، «إنها لسنن، لتركبن سنن من كان قبلكم سنة سنة»[15].

أيها المسلمون: اعلموا أنه لا يجوز التبرك بقبر النبي محمد، ولا مكان ولادته، ولا غيره من الأنبياء، ولا يجوز التبرك بذوات الصالحين وآثارهم وثيابهم ومواطن عبادتهم، ولا يجوز التبرك بجدران المساجد أو ترابها أو أبوابها بتقبيلها أو التمسح بها، حتى ولو كان المسجد الحرام أو مسجد المصطفى، ويُشرع تقبيل الحجر الأسود، ويُشـرع مسح الركنين اليمانيين الحجر الأسود والركن اليماني، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين» متفق عليه.

ولا يُقصد بذلك التبرك بهما، وإنما يقصد التعبد والاتباع، كما قال عمر بن الخطاب: «والله إني لأقبّلك، وإني أعلم أنك حجر، وأنك لا تضـر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك».

وبالجملة فلا يجوز التبرك بشـيء إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله يدل على جواز التبرك به.

أيها المسلمون: إن من الإشراك الموقع في الردى والهلاك الاستغاثة بالأموات ودعاءهم ونداءهم وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الشدائد والكربات، والتقرب لهم بالذبح والنذور، وبالطواف على القبور، وبتقبيل الأعتاب والجدران والستور، وبالعكوف عندها وجعل السدنة والحجاب عليها، إلى غير ذلك مما هو من عمل عباد الأوثان وأولياء الشيطان، وهو من الشرك الأكبر، المحبط للعمل المصادم لكتاب الله وسنة سيد البشر، يقول جل وعلا: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴿٥﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6]، ويقول تبارك وتعالى: ﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴿١٣﴾ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14].

أيها المسلمون: إن الغلو في قبور الأنبياء والصالحين باتخاذ المساجد والقباب عليها وتزيينها وجعل الستور عليها من كبائر الذنوب ووسائل الشـرك؛ لما ينتج عن ذلك من تصييرها أوثانًا تعبد من دون الله.

وفي البخاري أن عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا: لما نزل برسول الله الموت طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا[16]، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد»[17].

أيها المسلمون: إن البناء على القبور وتجصيصها وتقصيصها والكتابة عليها أمر غير مشروع، وفي ديننا مرفوض وممنوع، فعن جابر قال: «نهى رسول الله أن يُجصص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يبنى عليه». رواه مسلم. وزاد الترمذي وغيره بإسناد صحيح: «وأن يُكتب عليه». وفي صحيح مسلم: أن علي بن أبي طالب قال لأبي هياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله؟! أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته».

عباد الله: إن قصد عبادة الله عند قبر نبي أو ولي وسيلة من وسائل الشرك، ومن اتخاذها مساجد، حتى ولو لم يبن عليها مسجد، ولذا لا يُشرع الدعاء عند القبور ولا عند قبر النبي، وليس ذلك من مواطن الإجابة، فقد روى أبو يعلى والحافظ الضياء في المختارة أن علي بن الحسين رضي الله عنهما رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله؟! «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم»[18].

جعلني الله وإياكم من الهداة المهتدين، المتبعين لسنة سيد المرسلين، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السـر والنجوى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].

أيها المسلمون: إن من تعظيم الله تحكيم شريعته على عباده، والواجب على المسلمين وأئمتهم وقادتهم الخضوع لشرع الله، والاستسلام لحكمه، ومحاربة ما يخالفه من المبادئ والمذاهب الهدامة الوضعية، من شيوعية واشتراكية، وعلمانية وقوميّة، وغيرها من المذاهب، وإن الإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، ومن جحد أحقية حكم الله ورسوله، أو اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله ورسوله، أو اعتقد أنه مثله، أو اعتقد جواز الحكم بما يُخالف حكم الله ورسوله، فقد كفر بما أنزل على محمد، وخرج من ملة الإسلام، يقول جل وعلا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:60]، ويقول جل وعلا: ﴿ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

أيها المسلمون: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ ألم يحِن أن تطمئن قلوبهم بصدق التوكل على الله؟ إن الدين الإسلامي جاء ليحرر الإنسان من أن تستعبده الأهواء والهواجس والمخاوف والتعلق بغير الله تعالى رغبة أو رهبة، خوفًا أو طمعًا، جزعًا أو هلعًا، فكل ذلك معارض للإيمان بالله، مضاد للإخلاص لله، خارج عن مفهوم العبودية لله.

وإن التشاؤم بالأيام والشهور، والتطير بالسوانح والبوارح من الطيور، من أعمال الجاهلية، التي جاءت بإبطالها الشريعة الإسلامية، وليس التشاؤم بالذي يغيّر القدر، ولا شهر صفر بالذي يأتي بالشرر والضرر، وفي البخاري أن رسول الله قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر».

فاتقوا الله عباد الله، وعلقوا القلوب بمالكها، علقوا القلوب بمالكها، وحاربوا الخرافة بجميع أشكالها.

وصلوا وسلموا على خير البرية، وأزكى البشرية، فقد أمركم الله بذلك، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة