الحمد لله شرح بفضله صدور أهل الإيمان بالهدى، وأضل من شاء بحكمته وعدله، فلن تجد له وليًا مرشدًا، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا واحدًا فردًا صمدًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، كرم أصلًا وطاب محتدًا، خصه ربه بالمقام المحمود وسماه محمدًا، ﷺ وبارك وعلى آله وأصحابه، هم النجوم بهم المهتدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتدى.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنما الخيرية بالتقوى، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات:13].
عباد الله: عقيدة التوحيد تجمعنا ودار الإسلام تؤوينا، لا فخر لنا إلا بطاعة الرحمن، ولا عزة ولا كرامة إلا بالإيمان، نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
معاشر المصلين، قضية اجتماعية، بسببها انتشـرت البغضاء، ومنها نبعت الأحقاد، ولأجلها رفعت الشعارات الشيطانية، وتعددت الحزبيات العنصرية، ووجدت رواجًا عند ضعاف الإيمان واستغلها الأعداء أبشع استغلال.
لم تدخل في مجتمع إلا فرقته، ولا في صالح إلا أفسدته، ولا في كثير إلا قللته، ولا في قوي إلا أضعفته، ما نجح الشيطان في شيء مثلما نجح فيها بين المجتمعات المسلمة، شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، وتبناها حُثالة المجتمع.
مجالس الدهماء تروجها، وأشعار الصعاليك ترددها، كلما خبت نارها جاء من يسعرها، ويحذر من نسيانها والغفلة عنها. إنها العصبية المقيتة، إنها الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب، إنها الفخر بالأرض والتراب، إنها الفخر بالعرق واللون.
إنها دعوى الجاهلية تأصلت فيمن رَقَّ إيمانه وضعف يقينه وطُمس على قلبه وغَفَل عن أًصله وحقيقته، الجاهلية التي كانت تنشب بين أهلها الحُرُوب الطَّاحنَة لأتفه الأسباب، حميّة للأنسَاب والأحساب!
يقول الله تعالى ذامًا أهل الحمية لغير الدين: ﴿ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [الفتح:26]، وجاء في سنن أبي داود أن النبي ﷺ: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية»[1].
وجاء أيضًا عن النبي ﷺ: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد»[2].
وروى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله قد أذهب عنكم عُبّية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»[3].
روى حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولينتهين قومٌ يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجِعلان»[4].
عباد الله: قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ ﴾ [الحجرات:13]، جعلناكم شعوبًا وقبائل لتتعارفوا لا لتتفاخروا، ولا تتكبروا على غيركم، ولا لتحتقروا من سواكم، فالله سبحانه يقول ﴿ لِتَعَارَفُوا ﴾ وليس لتفاخروا وتعاظموا، فليس عيبًا أن يعرف الإنسان نسبه حتى يتحقق التعارف بين الناس شعوبهم وقبائلهم، ولكن العيب أن يكون ذلك مدعاة للتعاظم والتعالي على غيرهم. فما بال أقوام ينحون هذا المنحى ويدعون بهذه الدعوى والله سبحانه قد وضع الميزان الذي لايختل ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات:13]؟!
ولقد حسمت هذه الآية موضوع التفاخر بتأصيل ثلاث ركائز:
الأولى: أن أصل خلق الناس جميعًا واحد. وقد روي أن عيسى ابن مريم سئل: أي الناس أفضل؟ فقبض قبضتين من تراب وقال: «أي هاتين أفضل؟ ثم قال: الناس خُلقوا من تراب، فأكرمهم أتقاهم».
الثاني: أن ما يحتج به الناس بانتسابهم إلى شعب كذا أو قبيلة كذا مما لم يأذن به الله لأجل التفاخر، وإنما أذن به لأجل التعارف فحسب، لما يترتب عليه من حقوق وواجبات. وأما التفاخر فلا مسوّغ له؛ لأن كل أحد لم يختر نسبه ولا أصله ولا أمه ولا أباه، بل ربك يخلق ما يشاء ويختار، فليس للإنسان حق في أن يفتخر بما لم يكن له فيه يد، ولا له فيه فضل. ولو قال قائل: نحن نفتخر بفضل الله علينا، فالجواب: إن الذي تفضّل عليك بهذا جعله وسيلة تعارف ونهاك عن التكبر والتفاخر.
الثالث: أن الكرم والتفاضل والتقدم إنما هو لأهل التقوى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات:13].
وما أجمل ما قاله أحد المفسرين لهذه الآية، حيث قال رحمه الله: (وهكذا تتوارى جميع أسباب النزاع والخصومات في الأرض وترخص جميع القيم التي يتكالب عليها الناس، ويظهر سببٌ ضخمٌ للألفة والتعاون: ألوهية الله للجميع وخلقهم من أصل واحد، كما يرتفع لواء واحد يتسابق الجميع ليقفوا تحته: لواء التقوى في ظل الله. وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية من العصبية للجنس والعصبة للأرض والعصبية للقبلية والعصبية للبيت، وكلّها من الجاهلية وإليها تتزيا بشتى الأزياء وتسمى بشتى الأسماء، وكلّها جاهلية عارية من الإسلام).
عباد الله: إن المسلم العاقل ليقف حائرًا أمام هذه الجاهلية التي تستهدف أخوة الدين، وتمزق نسيج الأمة، وتقدح بالاعتصام بالكتاب والسنة، إما بإثارة النعرات القبلية، أو تنقُّص الناس باسم الوطنية، فمن كان من وطنك أحبه سواء كان برًّا أو فاجرًا، في حين لا تحمل هذا الشعور تجاه أخ مسلم من غير بلادك ولو كان من أتقى الناس.
وإنه ليزداد العجب من إنسان يفخر بشيء لا جهد له فيه ولا كسب، وهو النسب، ثم يهمل ما له فيه يد وحيلة، من التقوى والأدب والخلق والفضل، وقد قيل:
| كن ابن من شئت واكتسب أدباُ |
| تغنيك محموده عن النسب |
| إن الفتى من يقول ها أنا ذا |
| ليس الفتى من يقول كان أبي |
وهناك من يفتخر بأصله وفصله، وحسبه ونسبه، لكن لا يد له في المكرمات ولا نصيب له في الفضائل، فلا هو الذي ترك الفخر، ولا هو الذي اكتسبه بالفضل، كما قيل:
| إذا افتخرتَ بآباءٍ ذوي شرفٍ |
| قلنا صدقتَ ولكن بئسما ولدوا |
عباد الله: ربما هناك في بعض البلاد الإسلامية من يعيشون فيها وليسوا من أهلها، يواجهون صلفًا في التعامل وغلظة في القول، وهمزًا ولمزًا يغرس الحقد ويولّد البغضاء ويتسبب في الإيذاء، لا لشـيء إلا لأنهم ليسوا من أهل تلك البلاد، فيصيبهم من أذى العنصرية والعصبية ما لا يليق بمسلم، بل بإنسان عاقل، وإنه لمن المؤسف أن مثل ذلك قد لا يحدث في كثير من بلاد الكفر، بل يُعامَل الناس فيها سواسية بلا تمييز ولا عنصرية، من مبدأ الإنسانية، والمسلمون أحق بذلك من غيرهم لو كانوا يعلمون.
إن الأخوة الإسلامية تفوق جميع الصلات وتتجاوز بذلك الحدود الجغرافية والروابط الأرضية، ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات:10]، وفي الحديث: «المؤمن للمؤمن كالبنيان»[5]، «المسلم أخو المسلم»[6]، هذا هو الشعار الذي يجب أن يرفع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة؛ فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم مهاجري وأنصاري فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، غضب الرسول ﷺ لذلك غضبًا شديدًا فقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم! دعوها فإنها مُنتنة»)[7] انتهى كلامه رحمه الله.
أيها الآباء.. أيها المربون: اتقوا الله في أنفسكم، لا تُنْشِئُوْا صغاركم على التعصب والافتخار لغير الإسلام، بل ربّوهم على المبادئ الكريمة والخصال الحميدة التي دعانا إليها ديننا القويم، وحثوهم على الاتصاف بها.
| لسنا وإن أحسابنا كرمَتْ |
| يومًا على الأحساب نتكلُ |
| نبني كما كانت أوائلنا |
| تبني ونفعل مثلما فعلوا |
يا من تطعنُ في الأنساب، وتفتخر بالأحساب، يا من حقّرت الناس وتنقصتهم، ألا تعلم حقيقتك؟! ألا تعلم أن أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وتحمل في جوفك العذرة؟! ألا تذكر قول الله: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ [المرسلات:20]. فعلام الكبرياء وعلام التعالي.
إن احتقار الآخرين والحمية لغير مرضاة الله توقع المرء في الغَيْرة لغير الإسلام والغضب لغير الله، وتؤدي إلى ظلم العباد، والقطيعة والعقوق، ومنع الحقوق، والانتصار للباطل وأهله، لا لشيء إلا بسبب تمكّن العصبية من النفوس، كما قال أحدهم:
| وهل أنا إلا من غُزيّة إن غوَت |
| غويتُ وإن ترشد غزية أرشد |
يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٠٢﴾ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران:102-103].
أسأل الله تبارك وتعالى أن يؤلف بين قلوبنا، وأن يسلل سخائم صدورنا، وأن يجعلنا متحابين فيه، متآخين فيه، متباذلين فيه، فلا نعمة بعد الإسلام أعظم من ذلك.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم...
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا هو تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وخلانه.
أما بعد:
فإننا أمة تؤثر فينا تقاليدنا وموروثاتنا الاجتماعية وأعرافنا تأثيرًا كبيرًا، حسنها وسيئها، فقد ورثنا إلى جانب المروءة والشجاعة والكرم، العصبية التي تكاد تعصف بكل موروثاتنا الحميدة الأخرى. حيث أضحت تصنيفًا اجتماعيًا قاسيًا يؤخذ به أكثر من العدالة الاجتماعية الإسلامية في الزواج والعمل والتعليم، بل وحتى في التعامل اليومي بين أفراد المجتمع، فهذا فلاني وذاك علاني، والثالث لا هذا ولا ذاك، وكأن الله سبحانه وتعالى قد أعطانا الحق في تقسيم الناس تقسيمًا لم يقره هو سبحانه، ولم يسنّه لنا النبي ﷺ، وأصبحت لنا شريعة أخرى غير شريعة الله وبتنا نخشى الناس والمجتمع أكثر من خشيتنا الله.
عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارًا غير سرًا يقول: «إنَّ آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنَّما وليي الله وصالح المؤمنين»[8].
إنَّ النسب الشريف، والحسب المنيف؛ بدون تقوى الله عز وجل لا ينفع، والنسب الوضيع مع وجود التقوى أفضل وأشرف وأرفع؛ فهذا بلال الحبشي لما أسلم وحقق التقوى لله رفع الله قدره، وأعلى منزلته، وبل وسمع النبي ﷺ دفَّ نعليه في الجنة، وأبو جهل المخزومي في أسفل سافلين.
| خَذَلَتْ أبا جهلٍ أصالتُه |
| وبلالُ عبدٌ جاوز السحبا |
وهذا سلمان الفارسي لما خالط الإيمان بشاشة قلبه، واتقى خالقه، وخاف سيده ومولاه، أيضًا رفعه الله، وحصل في الدنيا مبتغاه وتقلَّد جائزة: (سلمان منا آل البيت).
وقد ذُكِر أنّ سلمانَ الفارسيَّ لمّا سُئِل عن نسبه قال:
| أبي الإسلامُ لا أبَ ليْ سِوَاه |
| إذا افتخروا بقَيْسٍ أو تميمِ |
وفي المقابل: هذا أبو لهب القرشي لما كذب وأبى، واستكبر وطغى، وضعه الله في الدنيا والأخرى، وأنزل فيه آيات إلى يوم القيامة تتلى، قال الله تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿٣﴾ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿٤﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ [المسد:1-5].
| لعمُركَ ما الإِنسانُ إِلا بدينهِ |
| فلا تتركِ التقوى اتكالًا على النَّسَبْ |
| فقد رفعَ الإسلامُ سلمانَ فارسٍ |
| وقد وَضَعَ الشِّـرْكُ الشـريفَ أبا لهب |
إن الإسلام والتقى ليرفع وضيع النسب، ويهبط رفيع الحسب.
أيها الناس: إنَّ الأُخوةَ الدينيةَ بين الشعوبِ الإسلاميةِ هي أقوى الوشائجِ والروابطِ التي تشُدُّ الأمةَ وتُؤَلِّف بينها؛ لتكونَ قويةً متماسكةً في وجوه أعدائها المتربصين بها من الكفار والمنافقين. إنَّ الله سبحانه امتن على نبيه ﷺ بنعمة التآلف بين قلوب المسلمين، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال:62-63].
وامْتَنَّ اللهُ بها على المسلمين جميعًا رجالًا ونساءً، فقال عزَّ من قائل: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة:71].
فاتقوا الله عباد الله، واحذروا وساوس الشيطان، فإنه إياكم يكيد، ولتفريق شملكم يريد، فقد صح بذلك الوعيد، أخبر به أنصح العبيد للعبيد عليه الصلاة والسلام فقال: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم»[9].
فلا عصبيةَ في الإسلام، بلْ أخوةٌ إسلاميَّةٌ، وإن من المؤسف أن تجد الرجل يقيم شعائر الدين، ويبكي من خشية الله، وفيه خير كثير، ثم تجده بعد ذلك قدْ ملئ قلبه بالعصبية والكبر، فلأجلها يحب ومن أجلها يعادي، ألا يعلم قول الرسول ﷺ: «الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان»[10].
والحب من العبادات، فينبغي علينا أن نحب ما يحبه الله وأن نبغض ما يبغضه، والله تبارك وتعالى يبغض العصبية والحمية لغير دينه، وهو سبحانه بيده العزة: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ [فاطر:10].
وسيأتي يوم لا تُعرف فيه الأنساب: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ [المؤمنون:101]، بل يتنكر فيه المرء لأحب الناس إليه ويفر من أقرب الناس إليه: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس:34-37]. فهل ينفع في ذلك اليوم ما يُرى من هذه العصبية بين القوم؟ وهل يغني الإنسان أن يكون من بني فلان أو فلان؟﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٨٨﴾ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء:88-89]. نسأل الله أن يصلح بالأخوة أحوالنا، ويصلح بالإيمان قلوبنا، ويوحد على الحق صفّنا..
هذا، وصلوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه..
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /محمد بن عبد الله الهبدان