الحمد لله ذي الجلال والإكرام، أحمَدُه سبحانه هو الملك القدُّوس السلام، وأشكُرُه على ما حَبانا به من الفضْل والإنْعام، وأشهَدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له الذي رضي لنا شرعة الإسلام، وأوضَحَ ما فيها من الأحْكام، وبيَّن الحلال من الحرام، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله سيد الأنام، أفضل مُرسَل وأكمل إمام، صلَّى الله عليه وعلى آله الكرام، وأصحابه الأئمَّة الأعلام؛ أمَّا بعدُ:
فيا أيُّها الناس: اتقوا الله حق تقاته، فإن تقواه سبحانه شعار المؤمنين، ودثار المتقين، ووصية الله للناس أجمعين، فاتقوا الله تعالى في كل ما تأتون و تذرون، واتقوا الله لعلكم تفلحون، وابتَغُوا عنده الرِّزق واشكُرُوا له إليه ترجعون، واعلَمُوا أنَّ الله تعالى طيِّب لا يَقبَل إلاَّ طيِّبًا، وأنَّه سبحانه أمَر المؤمنين بالابتِغاء من فضله، والأكل من طيب رزقه، وهو ما جاء من حلِّه؛ فقال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة:10]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ﴾ [البقرة:172].
عباد الله: لقد جبل الله عز وجل الخلق على حب المال، ورَكَّب في الطباع الحرص على طلبه وتحصيله؛ لأن به قوام حياة الناس وانتظام أمر معاشهم وتمام مصالحهم.
وقد جاء الشرع الحنيف بالحث على السعي في تحصيل المال واكتسابه على أنه وسيلة لغايات محمودة ومقاصد مشروعة، وجعل للحصول عليه ضوابط وقواعد واضحة المعالم، لا يجوز تجاوزها ولا التعدي لحدودها كي تتحقق منه المصالح للفرد وللجماعة.
وقد أوجب الشارع على المسلم أن يطلب المال ويسعى في أسباب تحصيله مما أذن الله به وشرعه من طرق الكسب الحلال والعمل المباح، حتى يستغني المرء به عن ذل السؤال للغير والحاجة للخلق، فيكفي به نفسه، ويحفظ به مروءته، ويصون به ماء وجهه، ويعيل به أسرته، ويصل به رحمه، وينفق منه على أبواب الخير وطرق البر.
لذا كان طلب الرزق وتحصيله شرف للمؤمن وعزة للمسلم، لا سيما إذا احتسب فيه النية واستشعر عظم الأجر، فنعم المال الصالح للمرء الصالح، كما قال الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «يا حبذا المال، أصون به عرضي، وأُرضي به ربي».
الكسب الطيب والمال الحلال ينير القلب، ويشرح الصدر، ويورث الطمأنينة والسكينة والخشية من الله، ويعين الجوارح على العبادة والطاعة، ومن أسباب قبول العمل الصالح وإجابة الدعاء.
أما الكسب الخبيث فإنه شؤم وبلاء على صاحبه، بسببه يقسو القلب، وينطفئ نور الإيمان، ويحل غضب الجبار، ويمنع إجابة الدعاء. المال الحرام مستخبث الأصول، ممحوق البركة والمحصول، إن صرفه صاحبه في برٍ لم يُؤجر، وإن بذله في نفعٍ لم يُشكر، ثم هو لأوزاره مُحتَمِل وعليه معاقب. قال بعض الحكماء: (شر المال ما لزمك إثم مكسبه، وحُرمت أجر إنفاقه).
وكفاه شؤمًا وخذلانًا لصاحبه أنه يرد الدعاء ويمنع الإجابة، روى مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِيْنَ» فَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾ [المؤمنون:51]، وَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة:172] «ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء، ِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْـرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك»[1].
لقد استجمع هذا الرجل من صفات الذل والمسكنة والحاجة والفاقة إلى ربه ما يدعو إلى رثاء حاله ويؤكد شدة افتقاره، ولكنه قد قطع صلته بربه، وحَرَمَ نفسه من مدد الله وفضله، وحال بينه وبين قبول دعائه ما هو عليه من استعمال للحرام في المأكل والمشـرب والملبس، وماذا يبقى للعبد إذا انقطعت صلته بربه، وحُجب دعاؤه، وحيل بينه وبين رحمة الله؟!
فهذا الحديث فيه تحذيرٌ لمن خدعهم الشيطان، وزيَّن لهم أعمالهم السيئة، فتراهم يأكلون الحرام، وينفقون منه في بعض الأعمال الصالحة؛ كبناء المساجد أو المدارس، أو حفر الآبار، أو غير ذلك، ويظنُّون أنهم بهذا برئت ذمَّتهم، فهؤلاء يعاقَبون مرتَيْن:
الأولى: أنَّ الله لا يقبل منهم أعمالهم الصالحة التي أنفقوا عليها من الأموال المحرَّمة؛ لقوله ﷺ: «إن الله طيِّبٌ، لا يقبل إلا طيِّبًا».
الثانية: أن الله يعاقبهم على هذا المال الحرام، ويحاسَبون عليه يوم القيامة؛ فعن خَوْلَة الأنصارية رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إن رجالًا يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ؛ فلهم النار يوم القيامة»[2]. قال سفيان الثوري: (مَنْ أنفق الحرام في الطاعة، فهو كمَنْ طهَّر الثوبَ بالبَوْل، والثوب لا يَطْهُر إلا بالماء، والذنب لا يكفِّره إلا الحلال).
ولذا كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين ﭭ؛ كانوا في غاية الخوف من أكل الحرام والمبالغة في التحذير منه، حتى قال بعضهم: (لو قُمتَ في العبادة قيام السارية ما نفعك ذلك حتى تنظر فيما يدخل بطنك).
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه غلام فجاء له يومًا بشيء فأكل منه، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟! فقال أبو بكر: وما هو؟ فقال: تكهَّنتُ لإنسان في الجاهلية وما أُحسنُ الكِهانة إلا أني خدعته، فَلقينِي فأعطاني بذلك هذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه»[3]، وفي رواية أنه قال: «لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها[4]، اللهم إني أبرأ إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء»[5].
ورُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرب لبنًا فأعجبه، فقال للذي سقاه: «من أين لك هذا؟ فقال: مررت بإبل الصدقة وهم على ماء فأخذت من ألبانها، فأدخل عمر يده فاستقاء»[6].
وهذا موقف لإحدى النساء الصالحات العاقلات الفاضلات وهي تمثل نموذجًا فذًا للمرأة المسلمة حيث توصي زوجها قائلة له: يا هذا، اتق الله في رزقنا، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار.
وإن من العجب أن يحتمي بعض الناس من الحلال مخافة المرض ولا يحتمون من الحرام مخافة النار، وما ذاك إلا لقسوة القلوب واستيلاء الغفلة على النفوس وضعف الإيمان وقلة البصيرة في الدين.
عباد الله: إن للمكاسب المحرمة آثارًا سيئة على الفرد والمجتمع، فإنها تُضعف الديانة، وتعمي البصيرة، ومن أسباب محق البركة في الأرزاق، وحلول المصائب والرزايا، وحصول الأزمات المالية المستحكِمة والبطالة المتفشية، وانتشار الإحن والشحناء والعداء والبغضاء.
وإن مما يؤسى له عظيم الأسى أن في الناس من لا يتحاشون عن اكتساب المال الحرام وتحصيله من أي طريق وعبر أي وسيلة، إذ ليس لهم همٌّ إلا تكديس الأموال وتضخيم الثروات، فالحلال في عرفهم ما أُتيح لهم وقدروا عليه، والحرام ما عجزوا عن الوصول إليه، يسلكون في طلبه مسالك معوجَّة وسبلًا مشبوهة، بل وقد لا يكترثون من المجاهرة والمفاخرة بالمكاسب الخبيثة والاستيلاء على الأموال المحرمة التي لا شبهة في تحريمها، حتى أصبح هذا المسلك المشين لشيوعه وانتشاره ظاهرة مألوفة في كثير من مجتمعات المسلمين، حيث فشا فيها أكل الربا وتعاطي الرشوة والغصب والسـرقة والمتاجرة بالمحرمات كالخمور والمخدرات وآلات اللهو والغناء ونحوها، وتطفيف المكاييل والموازين والغش والخداع في البيوع والمعاملات، وإنفاق السلع بالأيمان الفاجرة، وأكل أموال اليتامى والقاصرين، والاستيلاء على الحقوق والممتلكات، واختلاس الأموال الخاصة والعامة، بأساليب مختلفة وسبلٍ متنوعة، بلا خوفٍ من الله ولا حياءٍ من عباد الله، في صور مهينة من صور البطر والأشر والجشع والطمع لدى بعض النفوس، حين يضعف فيها وازع الإيمان، وتتحلل من المروءة ومكارم الأخلاق، وإنه ليكاد يصدق على هذا الزمان ما جاء في الحديث عند البخاري وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام؟»[7].
لكن لم يعلم هؤلاء أن الحرام يمحق بركة المال والعمر والذرية، كما قيل:
| جمع الحرام إلى الحلال ليُكثرَهْ |
| جاء الحرام على الحلال فبعثرَهْ |
وإن الله أعدل من أن يمنح السعادة من طلبها بالحرام، بل إنك ترى هؤلاء تُسـرع إليهم الأمراض والمحن، فهم يشكون من قلة البركة، وضنك العيش، وصدق الله: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ [طه:124].
فأين هؤلاء عن قوارع التنزيل التي تُتلى والأحاديث التي تُروى في التحذير من أكل الحرام وبيان عاقبة صاحبه وسوء مصيره ومنقلبه؟! أليس لهم فيها مُدّكرٌ وواعظ ومزدجرٌ ورادع؟! ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد:24].
يقول الحق جل وعلا في التحذير من الربا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٢٧٨﴾ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:278-279]، ويقول عز شأنه في بيان ما أعد من العذاب لأكلة أموال اليتامى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء:10]، ويقول جل وعلا متوعدًا أهل التطفيف للمكاييل والموازين: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين:1-6]. وفي الحديث عن أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة»، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراك»[8]، وجاء أيضًا عن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا يأتي به يوم القيامة»[9]، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [آل عمران:161].
فاتقوا الله عباد الله: ولتجتنبوا ما حرم ربكم عليكم ونهاكم عنه من المكاسب الخبيثة والأموال المحرمة، ولتقنعوا بما أحل لكم من الطيبات، ففي الحلال الغنية والكفاية والسعادة في الدنيا والآخرة.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، يا واسع الفضل والإحسان، يا أكرم الأكرمين.
نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
روى الإمامُ أحمد في مسنده، من حديث كعب بن عِياضٍ رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ لكلِّ أمَّةٍ فتنةً، وإنَّ فتنةَ أُمَّتي المالُ» [سنن الترمذي (2336)، وصحَّحه الألباني، صحيح الجامع الصغير (2148)].
وإن من أعظم المصائب التي عمت وطمت في هذا الزمان الجشع والطمع والحرص على جمع المال من كل الطريق وبكل وسيلة ممكنة بغض النظر عن كون هذه الوسيلة تجوز أو لا تجوز حلالا كانت أو حراما.
فهذا تاجر يغش الناس بسلعته، وذاك موظف لا ينهض بمسئولية وظيفته، والآخر يمنع أصحاب الحقوق حقوقهم مع غناه وقدرته، وهذا يرتشي ولا يعطي المسلمين ما يستحقون حتى يكلفهم ما لا يطيقون، وذاك لا يتورع عن السـرقة، والآخر يلف ويدور ويكذب ليحصل ما ليس له بحق، والرابع يغش ويحتال وينصب ويطفف المكيال والميزان، وذاك يتعامل بالربا، وهذا يتاجر بما يفسد عقول الناس ويدمر حياتهم.
انظر إلى أسواقنا لتسمع الأيمان الكاذبة وترى الغش الواضح وتطفيف المكيال والميزان واختلاس الأموال وبيع ما لا يجوز بيعه، واللف والخداع والقمار، يقول الله: ﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ۖ وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ ﴾ [طه:81]. ويقول الله في كتابه العظيم ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿١﴾ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴿٢﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿٣﴾ كَلَّا ۖ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿٤﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴿٥﴾ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴾ [الهمزة:1-6]. إننا في زمان لم يعد بعض الناس يبالي فيه بما أكل أمن حرام أو من حلال ولا يهمه أن يغذي أهله وأولاده من الحرام أو الحلال، إن هذا الزمان أخبر به الصادق المصدوق ﷺ فقال «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام؟»رواه البخاري.
وآكل الحرام إنما يعرِّض نفسه للعقوبة في الدنيا، وفي قَبْرِه، ويوم القيامة:
أمَّا في الدنيا، فقد تكون العقوبة خسارةً في ماله، أو مَحْقٌ إلهيٌّ للمال الذي اكتسبه، ونَزْع البركة منه، أو مصيبةً في جسده؛ كما قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [البقرة:276].
وأما في قبره، فقد ورد في الحديث: أن عبدًا يُقال له مِدْعَمٌ، كان مع النبيِّ ﷺ واستشهِد في غزوة خيبر؛ أصابه سهمٌ طائِشٌ، فقال الصحابة ╚: هنيئًا له الشَّهادة، فقال النبيُّ ﷺ: «كلاَّ، والذي نفسي بيده، إن الشَّمْلة التي أصابها يوم خيبر من المغانِم، لم تُصِبْها المقاسِم - لَتَشْتَعِلُ عليه نارًا»، فلما سمع الناس ذلك، جاء رجلٌ بشِراكٍ أو شِراكَيْن إلى النبيِّ ﷺ فقال: «شِراكٌ أو شِراكانِ من نارٍ»[10]؛ وهذه الشَّمْلَة عباءةٌ قيمتها دراهم معدودة، ومع ذلك لم يَسْلَم صاحبها من عقوبة أكل المال الحرام.
وأما في الآخِرة، فعن كعب بن عَجْرَة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «يا كعبُ، لا يَرْبُو لَـحْمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ؛ إلاَّ كانت النار أوْلى به»[11].
إن من دلائل التوفيق وأمارة السعادة والفلاح للعبد أن يكف عما حرم الله من المكاسب الخبيثة، وما نهى عنه من الأموال المحرمة، وأن يتورع عما يشتبه عليه من ذلك، حرصًا على سلامة دينه وصيانة عرضه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»[12]، وقال الإمام الحسن البصري رحمه الله: (ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام).
ولتعلموا عباد الله أن المشتبهات يحصل للقلوب عندها قلق واضطراب يحمل على الشك والتردد في حِلها، والورِع من عباد الله يكون وقافًا عند المشتبهات، فيدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، فذلك مسلك الصالحين ونهج المتقين، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:188]. قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: «هذا في الرَّجُل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بيِّنة، فيَجْحَد المالَ، ويخاصمهم إلى الحكَّام، وهو يعرف أنَّ الحقَّ عليه، وأنَّه آثِمٌ آكِلٌ للحرام». اهـ.
قال ابن المبارك: (لأنْ أرُدَّ دِرْهمًا من شُبْهَةٍ؛ أحبّ إليَّ من أن أتصدَّق بمائة ألفٍ).
وقال عمر رضي الله عنه: «كنَّا نَدَعُ تسعةَ أعشار الحلال؛ مخافةَ الوقوع في الحرام»، وإنما فعل ذلك رضي الله عنه امتثالًا لقول النبيِّ ﷺ في حديث النعمان بن بشير: «فمَنِ اتَّقى الشُّبهات، استبرأ لدينه وعِرْضِه، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبهات، وقع في الحرام».
قال ابن القيم رحمه الله: (فرِّغ خاطرك للهمِّ بما أُمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك؛ فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان، فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا، وإذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه، فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه؛ فتأمل حال الجنين: يأتيه غذاؤه وهو الدم، من طريق واحدة وهو السرة، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق، فتح له طريقين اثنين، وأجرى له فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول: لبنا خالصا سائغا، فإذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام، فتح طرقا أكمل منها، فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه، وأنفع له، وليس ذلك لغير المؤمن، فإنه يمنعه الحظ الأدنى الخسيس، ولا يرضي له به، ليعطيه الحظ الأعلى النفيس، والعبد لجهله بمصالح نفسه، وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه، لا يعرف التفاوت بين ما مُنع منه وبين ما ذُخر له، بل هو كالطفل مُولع بحب العاجل وإن كان دنيئًا، وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان عليًّا!!).
فاتقوا الله أيها المؤمنون، ولتستطيبوا مطاعمكم ومشاربكم وسائر مكاسبكم، ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:281].
| الْـمَالُ يَذْهَبُ حِلُّهُ وَحَرَامُهُ |
| يَوْمًا وَيَبْقَى فِي غَدٍ آثَامُهُ |
| لَيْسَ التَّقِيُّ بِمُتَّقٍ لِإِلَهِهِ |
| حَتَّى يَطِيبَ شَرَابُهُ وَطَعَامُهُ |
| وَيَطِيبُ مَا تَحْوِي وَتَكْسِبُ كَفُّهُ |
| وَيَكُونُ فِي حُسْنِ الْـحَدِيثِ كَلَامُهُ |
| نَطَقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عَنْ رَبِّهِ |
| فَعَلَى النَّبِيِّ صَلَاتُهُ وَسَلَامُهُ |
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغنِنا بفضلك عمَّنْ سواك.
ألا وصلوا عباد الله على نبي الرحمة والهدى..
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /إبراهيم بن محمد الهلالي