حجم الخط:

الجنائز آداب وأحكام

الخطبة الأولى:

الحمد لله المتفرد بالبقاء، ذي العزة والكبرياء، كتب مقادير الخلائق وأقسامها، وقدَّر أمراضها وأسقامها، سبحانه وبحمده، له ما في السماوات وما في الأرض ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31]، رحمةً من لدنه وفضلًا، وحكمةً منه وعدلًا.

أحمده سبحانه وأشكره على حلو القضاء ومُرِّه، وأعوذ به من سطوته ومكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مستزيدًا من إحسانه وبرِّه.

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أحاطه ربه بتأييده ونصـره، وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم بعثه وحشرِه؛ أما بعد:

فيا عباد الله اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

أيها المسلمون: الدُّور ثلاث: أولًا: دار الدنيا. ثانيًا: دار البرزخ. ثالثًا: دار الآخرة.

وابن آدم: روح وجسد، والدار الآخرة هي دار القرار التي يقوم فيها الناس لرب العالمين.

والنعيم المقيم، والعذاب الأليم، على الأرواح والأجساد، والقبر آخر منازل الدنيا وأول منازل الآخرة، وهو إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، وشدته أمارة للشدائد كلها، وما يراه العبد فيه عنوان ما يصل إليه.

والموت ليس عدمًا محضًا، ولا فناءً صِرفًا؛ ولكنه تبدُّل حال، وانتقال من دار إلى دار، وقد قال عز وجل: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]، قال بعض أهل العلم: قدَّم ذكر الموت على الحياة تنبيهًا إلى أنه يتوصل به إلى الحياة الحقيقية، وقد قال عز شأنه: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64].

إن حقًا على العاقل اللبيب: النظر والتفكر، والمحاسبة والتدبر، فكأس المنايا تذوُّقها حتمٌ على كل حي، فهل ينتظر الصحيحُ إلا السقَم، والكبير إلا الهرم، والموجود إلا العدم، على هذا مضت الخلائق، وعلى هذا جُبِلَت الدنيا، اجتماع وفرقة، محيا وممات، ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:11].

والمصائب خطبٌ موجع، والمنايا حولٌ مفجع، والغنيمة بالصبر والرضا وحسن الظن والاستعداد؛ حتى قال بعض السلف: (لولا المصائب لوردنا القيامة مفاليس)، والمرء إذا مات سلا عنه أحبابه، ونسيه أصحابه، وذُهل عنه من أنفق عمره في محبته، وأتعب نفسه في ملاطفته.

فإذا تذكر الموت متذكر فليكن تذكره لا من أجل فراق الأحباب والأصحاب؛ ولكن من أجل فراق العمل لدار القرار، والزاد للمنقلب والمصير، فمن نظر نظرة استعداد ووجل، زاد في الجد والعمل.

أيها الإخوة: وهذه وقفة تذكرٌ وتذكير بحال المسلم وهو يودِّع دار الدنيا ويُقبِل على ربه، فهذه الجنائز تمرُّ على الأسماع والأشخاص وقليل من يدّكر، وقفة مع أحكامها وآدابها وحكمها وعبرها؛ فدينكم دين الإسلام لم يترك شاذة ولا فاذة إلا وضحها وبينَّها في حِكمها وأحكامها، وعبرها وأسرارها.

وفي هذا المقام يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (وهدي رسول الله ﷺ في هذا أفضل الهدي، فهو يشتمل على الإحسان إلى الميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة الحي العبودية لله وحده فيما يُعامل به الميت، وتجهيز المنتقِل إلى الله على أحسن أحواله؛ فالمسلمون يقفون صفوفًا يحمدون الله ويستغفرونه لميِّتهم، ويسألون الله له الرحمة والمغفرة والتجاوز عنه، ثم المشـي بين يديه إلى أن يودعوه قبره، ثم يسألون له التثبيت، فهو أحوج ما يكون إليه، ثم يتعاهدوه بالزيارة في قبره، للسلام عليه، والدعاء له، كما يتعاهد الحي صاحبه في دار الدنيا). اهـ

ومن أجل مزيد تفصيل في ذلك أيها المسلمون! فإن أول ما يُنبَّه إليه من الآداب والأحكام: أن يُتعاهد المريض في مرضه؛ فيُؤمر بالصبر على ما أصابه، والرضا بقدر الله، وإحسان الظن بربه، فذلك حال المؤمن فـ«أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن»[1] ويكون على حال من الخوف والرجاء، يخاف عقاب الله بسبب ذنبه وتقصيره، ويرجو رحمته بما يعلم من سعة رحمته.

دخل رسول الله ﷺ على شابٍ وهو في مرض الموت، فقال: «كيف تجدك»؟ قال: والله يا رسول الله إني لأرجو الله وإني لأخاف ذنوبي، فقال له رسول الله ﷺ: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمَّنه مما يخاف»[2].

وليؤدِّ الحقوق إلى أصحابها إذا تيسر ذلك، وإلا فليوص بها، وتوشك المنايا أن تسبق الوصايا، وإذا كان عنده فضل مال فليوص بالثلث فأقل للأقربين من غير الوارثين، ولمن أحب من المسلمين، وكذا في وجوه الخير، وكم هو جميل أن يحتاط المرء لنفسه فيجعل من وصيته أن يجهز ويدفن على السنة؟ وقد قال حذيفة رضي الله عنه:«إذا أنا متُّ فلا تؤذِنوا بي أحدًا فإني أخاف أن يكون نعيًا، وأني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي» وقال الإمام النووي رحمه الله: (ويستحب له استحبابًا مؤكدًا أن يُوصيهم باجتناب ما جرت به العادة من البدع في الجنائز، ويؤكد العهد بذلك).

وإذا حضره الموت فعلى من حضره من أهله أو غيرهم تذكيره بالآخرة وأمره بالتوبة برفق وتلطف، وأن يلقنه الشهادة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»[3]، ويدعون له، ولا يقولون إلا خيرًا، فقد جاء في الخبر: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يُؤمِّنون على ما تقولون»[4].

فإذا قضى وأسلم الروح؛ فتُغمَّض عيناه، ويُغطى بدنه ووجهه، ويُدعى له، تقول أم سلمة رضي الله عنها: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قُبِضَ تبعه البصر»؛ فضج ناس من أهله، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يُؤمِّنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا ولهم يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوّر له فيه»[5].

ولا مانع من تقبيله لمن أحب ذلك من أقاربه أو معارفه.

ومن السنّة: الإسراع في تجهيزه ودفنه بعد تيقُّن وفاته؛ ففي الحديث الصحيح: «أسرعوا بالجنازة! فإن تكٌ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك فشـَرٌّ تضعونه عن رقابكم»[6]، وعند أبي داود: «لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله»[7].

ولا مانع من التأخير لمصلحة تتعلق بذلك؛ كانتظار قريب يحضر قريبًا، أو للتعرف على سبب الوفاة إذا كانت بجناية أو جريمة، ثم يقوم بتغسيله من يحسن ذلك من المسلمين العدول ذوي الثقة والديانة من أقاربه أو غيرهم.

وفي صفة التغسيل تقول أم عطية رضي الله عنها: «دخل علينا رسول الله ونحن نغسل ابنته زينب رضي الله عنها، فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعا أو أكثر من ذلك إذا رأيتن ذلك. قالت: قلت: وترًا؟ قال: نعم! واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتُنَّ فآذنّني، قالت: فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوة -أي: إزاره- فقال: أشعرنها إياه -أي: اجعلنه يلي جسدها- قالت أم عطية: فمشطنها ثلاثة قرون»، وفي رواية: «نقضنه ثم غسلنه وظفرن شعرها ثلاث ظفائر، قرنيها وناصيتها وألقينه خلفها، قالت: وقال لنا: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها»[8]. ويُطيّب في بدنه وكفنه، والرجل يغسله الرجال، والمرأة يغسلها النساء، والزوجان يغسل أحدهما الآخر، ومن كان دون سبع سنين يغسله الرجال والنساء.

ومن الآداب في حق الغاسل: أن يستر ما يرى، ولا يحدّث فيما قد يطلع عليه من مكروه، ولا يحضر الميت إلا الغاسل ومن يعينه، ثم يُكفنَّ بكفن ساتر لجميع البدن، ويكون الكفن حسنًا أبيضًا نظيفًا أو جديدًا من غير سرف ولا مغالاة، وإذا تيسـر فيكون للرجل ثلاثة أثواب؛ فإن رسول الله ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب سحولية من كرسف -أي: من قطن- ليس فيها قميص ولا عمامة، أُدرج فيها إدراجا، والمرأة تُكفَّن في خمسة أثواب إذا تيسَّر، إزار وخمار وقميص ولفافتين، ثم يُصلى عليها، وكُلَّما كثر المصلون كان أفضل للميت وأنفع، ويُستحب أن تكثر الصفوف خلف الإمام ثلاثة صفوف فصاعدًا، وفي الحديث: «ما من ميت يُصلي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفِّعوا فيه»[9]، وفي حديث آخر: «إلا غفر له»، وفي الحديث أيضًا: «ما من رجل مسلم يموت ويقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يُشركون بالله شيئًا إلا شفّعهم الله فيه»[10].

وصفة الصلاة: أن يكبر أربعًا، يقرأ بعد الأولى سورة الفاتحة، وبعد الثانية يُصلي على النبي ﷺ، وبعد الثالثة يُخلص الدعاء للميت، وبعد الرابعة يُسلّم تسليمة واحدة، ولو سلَّم تسليمتين فلا بأس.

ومن الدعاء المأثور في ذلك: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار»[11].

واتباع الجنازة حق من حقوق المسلم، وفي الصحيحين: «من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين -وفي لفظ مسلم - أصغرهما مثل أحد»[12]. قال أبو هريرة رضي الله عنه وهو راوي الحديث: «لقد فرطنا في قراريط كثيرة» ويُسنَّ الإسراع بها.

يقول أبو بكرة رضي الله عنه: «لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله نرمل رمَلًا»[13] وهو إسراع من غير شدة يُخاف منها ضرر على الميت، أو مشقة على المشيعين، ويمشـي أمامها وخلفها، وعن يمينها وعن يسارها، والراكب يسير خلفها.

يقول أنس رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان Ȋ يمشون أمام الجنازة وخلفها»[14].

والنساء لا تتبع الجنائز ولا تزور المقابر؛ لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك، ولا يجوز أن يتبع الجنازة ما يخالف الشرع، يقول الإمام النووي رحمه الله: (واعلم أن الصواب والمختار ما كان عليه السلف -رضوان الله عليهم- من السكون والسكوت في حال السير مع الجنازة؛ فلا ترفع أصوات بقراءة ولا بذكر ولا غير ذلك). قال رحمه الله: (والحكمة في ذلك ظاهرة، وهي أنه أسكن للخاطر، وأجمع للفكر، قال: ولا تغتر بكثرة المخالفين).

والدفن في القبر من إكرام الله لابن آدم، قال جلَّ شأنه: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21] ويوسع القبر، ويعمَّق ويُلحَّد، يقول عليه الصلاة والسلام: «احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا، وأحسنوا»[15]. ويُدخل الميت القبر من قِبل رجليه، يقول ابن سيرين: كنت مع أنس رضي الله عنه في جنازة، فأمر بالميت فَشُلَّ من قِبْلَ رجله في القبر، ويوضع على جنبه الأيمن، ووجهه نحو القبلة، ثم يُسدَّ اللحد ويدفن، ويرفع القبر عن الأرض قليلًا ويجعل مُسنَّما، فإذا فرغوا من الدفن استُحب أن يدعوا للميت ويستغفروا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل».

والقبور محترمة لا تُهان، ولا تُوطأ، ولا يُجلس عليها، ولا يُتَّكأ، ولم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام ولا سنته تعلية القبور، ولا تشييدها، ولا البناء عليها، وكل هذه بدعٌ منكرة مخالفة لهديه عليه الصلاة والسلام.

ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- وزوروا القبور؛ فإنها تذكر الآخرة، وأكثروا من ذكر هادم اللذات -الموت- فمن أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: أولًا: تعجيل التوبة. ثانيًا: قناعة القلب. ثالثًا: نشاط العبادة.

ومن نسي الموت عوقب بثلاث: أولًا: تسويف التوبة.

ثانيًا: ترك الرضا بالكفاف. ثالثًا:

الكسل في العبادة. يقول تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله خلق فسوى، وقدَّر فهدى، وأسقم وعافى، وأمات وأحيا، وأنَّ عليه النشأة الأخرى.

أحمده سبحانه وأشكره، يُجزي كلُّ نفس بما تسعى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، هدى من الضلالة، وبصَّر من العمى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، هم المعالم على الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى.

وبعد:

يقول تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [البقرة:45]، الصلاة عون على مواجهة المصائب والكروب، ولما جاء ابن عباس -وهو في طريق سفره- خبر وفاة أخيه قثم، نزل عن دابته، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم قال: «فعلنا ما أمر الله به».

فلتعلموا -رحمكم الله- أن من آداب الجنائز: الحمد والاسترجاع والرضا، قال سبحانه: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿١٥٦﴾ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157]، وليقل: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها»[16]. وحزن القلب، وبكاء العين دون نياحة أو تسخُّط هو من طبع النفس وجِبلَّتها، فلا حرج فيه ولا مُؤاخذة، وقد بكى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وذرفت عيناه، وقال: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون»[17].

وتحرم النياحة: وهي شيء زائد عن البكاء، من رفع الصوت، وضرب الوجه، وشق الجيب، وجذب الشعر ونشره، وفي الحديث: «ليس مِنَّا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»[18].

قال ابن القيم: (إن الجزع يُشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسـر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب أنضى شيطانه ورده خاسئًا، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات والكمال الأعظم، لا لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء بالويل والثبور والسخط على المقدور).

وقد برئ الرسول ﷺ من الصالقة: وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة. ومن الحالقة: وهي التي تنتف أو تحلق شعر رأسها جزعًا. ومن الشاقة: التي تشق جيبها وثوبها تسخُّطًا. يقول عبيد بن عمير: (ليس الجزع أن تدمع العين، ويحزن القلب؛ ولكن الجزع القول السيئ والظن السيئ).

ومن الآداب الشرعية المرعية: تعزية أهل الميت؛ فيعزيهم بما يسليهم، ويكف أحزانهم، ويحملهم على الرضا والصبر، ويأتي من الدعاء والألفاظ بما ثبت في السنة، وما لا يخالف الشرع، كأن يقول: إن لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب. أو: أحسن الله عزاءك، وجبر مصابك، وأعظم أجرك، وغفر لميتك، وأخلفك خيرًا منه، وألهمك الصبر، ورزقك الشكر، والمحروم من حُرم الثواب، والمأثوم من جزع لأليم المصاب.

إن لله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل بائس، فبالله فثق، وإياه فارجُ، فإن المصاب من حرم الثواب، وإياك أن يحبط جزعُك أجرَك، فتندم على ما فات من ثواب مصيبتك، وإنك لو اطلعت على عظَمة ما أعد الله لفضل المصابين لعرفت أن المصيبة قد قصرت عن الثواب.

يقول تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، ويقول الحسن البصـري: (ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة مُحرقة ردّها صاحبها بحسن عزاء وصبر، وجرعة غيظ ردّها صاحبها بحلم).

ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- وتذكروا واعتبروا بسرعة زوال هذه الدار، وقرب الارتحال لدار القرار، فأنتم في دار ممر، لا دار مقر، فليصبر ساكنها فإنها طُبعت على كدر، (وليطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وليعلم أنه في كل واد بنو سعد، فلو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى بفوات محبوب أو حصول مكروه، وأن شرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل؛ إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور) ابن القيم.

ومن أصيب بمصيبة فليذكر أعظم المصائب، وهي مصيبة موت النبي ﷺ، كما في الحديث: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب»[19].

اصبر لكل مصيبة وتجلَّدِ

واعلم بأن المرء غير مخلدِ

‏وإذا أتتك مصيبةٌ فاصبر لها

واذكر مصابك بالنبي محمدِ

ثم صلوا وسلموا على من خاطبه ربه بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34]. نبيكم محمد رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربكم؛ فقال عز قائل عليمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / صالح بن حميد

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة