حجم الخط:

الجنة وصفات أهلها

الخطبة الأولى:

الحمد لله المبدئ المعيد، ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد، أحمده سبحانه وأشكره؛ فبالشكر تدوم النعم وتزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله أنذر القريب والبعيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسـي بتقوى الله عز وجل: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281] اتقوا يومًا الوقوف فيه طويل والحساب فيه ثقيل. ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة.

يا سلعة الرحمن لستِ رخيصةً

بل أنت غاليةٌ على الكسلانِ

يا سلعة الرحمن ليس ينالها

في الألف إلا واحد لا اثنانِ

يا سلعة الرحمن لولا أنها

حُجبت بكل مكاره الإنسان

ما كان عنها قط من متخلفٍ

وتعطلت دار الجزاء الثاني

فاجمع قواك لما هناك وغمّض الـ

ـعينين واصبر ساعةً لزمانِ

فيا عباد الله: إن الله أمرنا بأوامر في كتابه العزيز ونهانا عن أمور ووعدنا إن نحن امتثلنا بالجنة ، ومن خالف عذبه في ناره ، نسأل الله العافية والسلامة منها ، ولكي يحفزنا ربنا جل وعلا بالعمل بما أمر والانزجار عما عنه نهى وزجر ، بين لنا الجزاء العظيم لمن سمع وأطاع وبين لنا العذاب الأليم لمن خالف وعصى ، وقد تواترت الآيات والأحاديث عن رسول الله ﷺ في وصف الجنة التي بها يجازي الله جل وعلا من سار على أمره وحذر نهيه فمن ذلك قول الله جل وعلا في كتابه مرغبًا لعباده المؤمنين في دخول جناته: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٤٥﴾ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴿٤٦﴾ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴿٤٧﴾ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ [الحجر:45-48] والنصب هو التعب: ﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48] ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٦٨﴾ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:68-69] فهؤلاء هم أهل الجنات ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:70] أي تسرون ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71] فصحافهم التي فيها طعامهم من ذهب وأكوابهم التي بها يشربون من ذهب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72] بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا نلتم هذا الجزاء العظيم ﴿ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [الزخرف:73] ويقول جل شأنه: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ﴿٥١﴾ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٥٢﴾ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ [الدخان:51‑53] لباسهم في الجنة الحرير ولذلك من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة[1] ومن لبس الذهب في الدنيا لم يلبسه في الآخرة[2]، ﴿ كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ﴿٥٤﴾ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴿٥٥﴾ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ ۖ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٥٦﴾ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الدخان:54-57] وأي فوز أعظم من أن يزحزح المرء عن النار ويدخل الجنة ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] وأي خسران أعظم من أن يدخل نار جهنم نسأل الله العافية ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، ومما جاء في كتاب الله في وصف الجنة قوله جل شأنه ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿٢٢﴾ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٢٣﴾ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴿٢٤﴾ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴿٢٥﴾ خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴿٢٦﴾ وَمِزَاجُهُ [المطففين:22-27] أي مزاج هذا الرحيق ﴿ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ﴿٢٧﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:26-28]، والآيات في كتاب الله كثيرة جدًا أكثر من أن تحصر في مقام واحد، وأما الأحاديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلي آله وسلم أحاديث كثيرة منها ما جاء عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذلك جشاء كرشح المسك يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس»[3].

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشـر، واقرءوا إن شئتم ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17]»[4]. وصح عن أبى هريرة أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول زمرة يدخلون الجنة علي صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة - والألوة هو عود الطيب - أزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء»[5]. وفي رواية أخرى لهذا الحديث: «آنيتهم فيها الذهب ورشحهم فيها المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشيًا»[6]. وصح عنه صلى الله عليه وسلم قال: «سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: أدخل الجنة. فيقول: أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟. فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟. فيقول: رضيت ربي. فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله فيقول في الخامسة رضيت ربي. فيقول: هذا لك وعشـرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول: رضيت ربي. قال ربي فأعلاهم منزلة. قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر»[7].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة، رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة. فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة. فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشـر أمثالها. فيقول: أتسخر بي وأنت الملك. قال فلقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه صلوات الله وسلامه عليه، فكان يقول: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة»[8].

وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلًا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا»[9].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة سنة لا يقطعها»[10].

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلا والذي نفسـي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»[11].

وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب»[12].

وصح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «إن في الجنة سوقًا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالًا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم حسنًا وجمالًا. فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا»[13]. وعنه أيضًا عن أنس رضي الله عنه قال: شهدت مع النبي ﷺ مجلسًا وصف فيه الجنة حتى انتهى ثم قال في آخر حديثه: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم قرأ : ﴿ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿١٦﴾ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17]».

والأحاديث يا عباد الله في وصف الجنة كثيرة جدًا أكثر من أن تحصـى، فنسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم من أهلها وأن يوفقنا وإياكم بالعمل الصالح والعلم النافع إنه ولى ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فيا عباد الله: مما ورد أيضًا في وصف الجنة ما رواه أبو سعيد وأبو هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادى منادى: إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا»[14]. وعن أبي هريرة أيضًا عن رسول الله ﷺ قال: «إن أدنى مقعد أحدكم من الجنة أن يقول له تمنى فيتمنى ويتمنى فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم فيقول له: إن لك ما تمنيت ومثله معه»[15].

وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا»[16].

وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا عند عن رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال: «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته»[17].

وعن صهيب رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم. فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم»[18]. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن لا تحرمنا النظر إليك. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلي أن تعيننا على أسباب دخول الجنة. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / عبد الرحمن السديس

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة