حجم الخط:

الرضا بما قسم الله

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله الكريم الفتَّاح، أحمده سبحانه فالقُ الحبِّ والنوى والإصباح، وأشكرُه على نعمٍ تتجدَّدُ في الغُدُوِّ والرَّوَاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً هي للجنةِ مِفتاح، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه بيَّن لأمته سبيلَ الفلاح، صلّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الجُودِ والكَرَم والسماحِ، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما سجَى ليلٌ وأشرقَ صباح، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأُوصيكم -أيها الناس- ونفسـي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله وأطيعوه، واستقيموا إليه واستغفروه.

أيها المسلمون: هدفٌ منشودٌ إذا فقدَه الإنسانُ فإنه لا يستقرُّ على حالٍ، ولا يسكُنُ إلى قرار، وغايةُ مُبتغاه بدونها صاحبُها قلِقٌ مُتبرِّمٌ، مُضطربٌ حائر، وأمنيةٌ مُتمنَّاه إذا لم يُحقِّقها طالبُها فهو أشبَهُ بحيوانٍ شرس، أو سبُعٍ مُفترس، والمُجتمع بدونها كذلك مُجتمعُ غابةٍ من غير غاية ولو لمَعَت فيه بوارِقُ حضارةٍ أو أثَارةُ تقدُّمٍ، المقاييسُ فيه للأشدِّ والأقوى وليس للأصلَحِ والأتقى.

هدفٌ وغايةٌ وأمنيةٌ يطلبُها كثيرون في غير موضِعِها، ويتطلَّبُها مُتطلِّبُون من غير مظانِّها، جرَّبوا ألوانًا من المُتَع وصُنوفًا من الشهوات فما وجدُوها، حسِبَها قومٌ في الغِنَى ورغَدِ العيشِ، وظنَّها آخرون في الجاهِ والمقامِ العريض، واعتقَدَتها فئاتٌ في حُسن العلوم والمعارِف، خاضَ في البحث عنها العلماءُ والفلاسِفة، والأغنياءُ والفقراء، والملوك والوُجهاء، إنها -يا عباد الله-: السعادةُ والطمأنينةُ والرضا والسَّكينة.

ما أعظمَ الفرقِ بين رجلَين أحدُهما عرفَ الغايةَ وطريقَها فاطمأنَّ واستراحَ، وآخرُ ضالٌّ يخبِطُ في عِماية، ويمشي إلى غير غاية، لا يدري كيف المَسير، ولا إلى أين المصير؟! ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك:22].

كم من صاحبِ مالٍ وفير، وخيرٍ كثير، تجلَّى رِضاهُ وطُمأنينتُه وقناعتُه في تحرِّي الحلال وأداء حقِّ الله فرضًا ونَدبًا، أعطَى الأجيرَ أجرَه، ولم يُذِلَّ نفسَه من أجلِ مالٍ أو جاهٍ.

وآخرُ عنده ما يكفيه، ولكن قد ملأَ الطمعُ قلبَه، وانتشـرَ التسخُّطُ بين جوانحِه، حتى أدخله مداخل الشبهات والرِّيَب، فهو جزِعٌ من رِزقه، مُتسخِّطٌ على رازِقِه، يبُثُّ شكواه إلى المخلوقين: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [الفتح:4].

معاشر الأحِبَّة: الرِّضا نعمةٌ عظيمةٌ، يبلُغُها العبدُ بقوَّةِ إيمانه بربِّه وحُسن اتِّصالِهِ به، ينالُها بالصبرِ والذكرِ والشكرِ وحُسن العبادة، وقد خاطَبَ اللهُ نبيَّهُ محمدًا ﷺ بقوله: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ [طه:130].

الرِّضا -أيها الإخوة- بابُ الله الأعظم، وجنةُ الدنيا، ومُستراحُ العارفين، وحياةُ المُحبِّين، ونعيمُ العابدين، وقُرَّةُ عيون المُشتاقين.

الرِّضا سرُّ السعادة، وطريقُ السَّكينة، وجادَّةُ الطمأنينة. الرِّضا شجرةٌ منبتُها النفس.

أيها الناس: ضمن سلسلة من مكارم الأخلاق، هناك وصية جليلة من أعظم وصايا رسول الله ﷺ، تتعلق بأمور غاية في الأهمية من امتثلها استحق حقيقة الوصف بالعابد لله المخلص في عبادته، ذلك في قوله ﷺ في وصاياه لأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «اتَّقِ الْـمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ»[1].

وسنتناول وصية من الوصايا التي اشتمل عليها هذا الحديث البديع، تتعلق بقول النبي ﷺ: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ».

والرضا خلافُ السُّخْط/ السَّخَط، كما في الدعاء الذي علمناه رسول الله ﷺ: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ»[2]. وقوله ﷺ: «إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخِط فله السَّخَط»[3].

وعرّفوه اصطلاحًا بقولهم: (سكون القلب إلى اختيار الرب). وقيل: (سرور القلب بِمُر القضاء). وقيل: (هو: استقبال الأحكام بالفرح). وقيل: (ارتفاع الجَزَع في أي حكم كان).

وليس الرضا هو الاستسلام، لأن الاستسلام هو الانهزام وعدم بذل الجهد لتحقيق الهدف، أما الرضا فهو استفراغك الوسع في تحقيق الهدف، لكن لم توفق إليه، فترضى بما قسم الله لك من غير جزع، أو ضجر، أو سخط، كالذي تزوج ولم يرزق الولد، والذي أصيب بمرض لم يستطع دفعه، والذي ابتلاه الله بالفقر وضيق ذات اليد، فاجتهد في تحصيل الغنى فلم يوفق. هنا يأتي التحلي بصفة الرضا بما كتبه الله وقدّره، فتحيل القلب إلى سرور دائم، وتشعر النفس بنعيم مقيم. قال عبد الواحد بن زيد: (الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، وسراج العابدين).

وقال أبو عبد الله البَرَاثي: (من وُهب له الرضا، فقد بلغ أقصى الدرجات).

فالرضا هو قبول حكم الله في السراء والضراء، والعلم أن ما قسمه الله هو الخير كله. قال الحسين بن علي رضي الله عنه: «من اتّكل على حسن اختيار الله تعالى، لم يتمنّ غير ما اختار الله له».

وقال أبو عثمان الحيري: (منذ أربعين سنة، ما أقامني الله في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته).

وهذا الفهم السليم للرضا هو الذي يهوّن المصاب، ويخفف وطأة الرُّزء، ويضعف سَوْرة الخطب.

قال علقمة في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11]، قال: (هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أنها من عند الله عز وجل، فيسلم لها ويرضى).

وقال عامر بن قيس: (أحببتُ الله حبًا هوَّن عليَّ كلَّ مصيبة، ورضَّاني بكل بليَّة، فلا أُبالي مع حبي إياه علامَ أصبحت، وعلام أمسيت).

عند ذلك يستوي عند المسلم حال الفقر وحال الغنى.

قال ابن عون: (لن يصيب العبدُ حقيقة الرضا، حتى يكون رضاه عند الفقر كرضاه عند الغنى).

فهل تعلم -يا عبد الله- أن الأرزاق بيد الله مقسومة، ومقاديرَها عند الله معلومة محسومة، وأن الفقر قد يكون أفضل لك من الغنى؛ قال السفاريني: (فمن عباده من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغناه لفسد عليه دينه. ومنهم من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقره لفسد عليه دينه، فمهما قسمه لك من ذلك فكن به راضيًا مطمئنًا، لا ساخطًا ولا متلونًا، فإنه -جل شأنه- أشفق من الوالدة على ولدها). يقول الرسول ﷺ: «إن الله تعالى قسّم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله تعالى يُعطي المال من أحب ومن لا يُحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب».[4]

إن الأرزاق مكفولة، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فكيف يبتغي بعض الناس الزيادة بالطرق الحرام، أو بالاعتداء على الأبرياء بسرقة أموالهم، أو التحايل على ما في أيديهم، أو ظلمهم والاعتداء عليهم، أو إشهار السلاح في وجوههم، أو قَطْع طريقهم، مما أصبحنا نسمع به في الصباح والمساء؟! يقول النبي ﷺ: «ولا يحملن أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته»[5].

وفي الحديث: «قد أفلح من أسلم ورُزِق كفافًا، وقَنَّعَهُ الله بما آتاه»[6].

اقنع برزق يسير أنت نائله

واحذر ولا تتعرض للإرادات

فما صفا البحر إلا وهو منتقص

ولا تَكدَّر إلا بالزيادات

ها هو رسول الله ﷺ سيد البشر، ومجتبى رب العالمين، عاش من ألوان الفاقة والحاجة ما قد لا يقدر عليه غيره، فواجهها بالرضا والقناعة.

وصف عُمَرُ بن الْـخَطَّابِ أثاث بيت رسول الله ﷺ فقال: «وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا -ورق شجر يدبغ به مسكوبًا-، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أهبٌ مُعَلَّقَةٌ -جلود غير مدبوغة-، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْـحَصِيرِ فِى جَنْبِهِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟!. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ؟!. فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟!»[7].

ولقد بشر رسول الله ﷺ المبتلين بالفقر والضيق والحاجة أنهم أسبق إلى الجنة من غيرهم، فقال: «يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام». وفي رواية: «بأربعين خريفًا»[8].

بل تعظم البشارة حين نعلم أنهم يدخلون الجنة بغير حساب؛ قال رسول الله ﷺ: «إذا أدى العبد حق الله، وحق مواليه، كان له أجران». قال: فحدثتها كعبًا، فقال كعب: «ليس عليه حساب، ولا على مؤمن مُزْهِد -قليل المال-»[9].

إن الغني هو الغني بنفسه

ولو أنه عاري المناكب حافي

ما كل ما فوق البسيطة كافيًا

وإذا قَنِعت فبعض شيء كافي

الخطبة الثانية:

الحمدُ لله المحمُود على كل حالٍ وفي كل حال، حمدًا كثيرًا طيبًا مُبارَكًا فيه يليقُ بما له من العظمة والجلال، وأشكرُه جزيلَ الشُّكر على ما أنعمَ من الإكرامِ والإفضال، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو الكبيرُ المُتعال.

وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه أكرمَه ربُّه بالنبُوَّة والإرسال، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِه وأصحابِه خيرِ صحبٍ وآل، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

معاشر المُسلمين: إن تحقيق صفة الرضا يقتضي إجالة النظر في أحوال الناس الآخرين، لتعلم مقدار نعم الله عليك، التي قد يغبطك عليها الملايين من البشر، فقط أغمض عينيك قليلًا وحاول المشي، لتعرف قدر نعمة النظر!

لقد فَضَّلك الله على كثير من المبتلين، وعصمك من كثير من الأكدار، والأسقام، والأوجاع؛ يقول النبي ﷺ: «من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم يصبه ذلك البلاء»[10].

وليس شرطُ الرِّضا أن لا يُحِسَّ السعيدُ بالألم والمكارِه؛ بل المطلوبُ أن لا يعترِضَ على مجارِي الأقدار، ولا يتسخَّطُ من الحوادِثِ والنوازِل؛ فهو راضٍ كرِضا المريضِ بشُرب الدواء المُرِّ؛ لأنه يعلمُ العاقبةَ ويرجُو العافيةَ. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «ما ابتُليتُ ببلية إلا كان لله عليَّ فيها أربعُ نِعم: إذْ لم تكن في ديني، وإذ لم أُحرَم الرضا، وإذ لم تكن أعظمُ منها، وإذ رجوت الثواب عليها».

أيها المسلمون: السعادةُ والرِّضا إيمانٌ بالله وبرسوله، ورِضا نفسٍ وانشراحُ صدرٍ، المؤمنُ يغمُرُه الرِّضا؛ لأنه عميقُ الإدراكِ لفضلِ الله العَميم، وإحسانِهِ العظيم، إحساسُه بنِعَم الله في نفسه وهي نعمٌ لا يُحصِيها في سمعِهِ وبصرِهِ ويدِهِ وقدمِهِ ومُخِّه وعظمِه، وطعامِه وشرابِه، ونومِه ويقَظَته، وأهلِه وفي شأنه كلِّه.

يا عبد الله: السعادةُ والرِّضا ليس بوفرة المال، ولا عِظَم الجاه، ولا كثرة الولد، ولا بنَيْل المُتَع والمنافع، الرِّضَا يحُدُّ من ثَورة الحرص والطمع، وطُغيان الشراهة والجشَع، ويُرشِّدُ الأخذَ بالأسباب: (اتقوا الله، وأجمِلوا في الطلبِ). فالغِنى ليس بكثرة العَرَض، إنما الغِنى غِنى النفسِ.

الرِّضا يُوقِفُ الراضِي عند حُدود قُدراته ومواهِبِه، ويُبصِّرُه بأقدار الله، فلا يتمنَّى ما لا يتيسَّرُ له، ولا يتطلَّعُ إلى ما لا يستطيع؛ فالشيخُ لا يتمنَّى أن يكون شابًّا، وغيرُ الجميل لا يتطلَّعُ إلى أن يكون جميلًا: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ [النساء:32].

يقول عطاء: (الرِّضا سُكونُ القلبِ باختيارِ الله للعبد، وأن ما اختارهُ الله له هو الأحسنُ فيرضَى به). وسُئِلَ أبو عُثمان البِيْكَنْدي عن الرِّضا فقال: (من لم يندَم على ما فاتَ من الدنيا ولم يتأسَّف عليها). وقال بعضُ الحُكماء: (من رضِيَ بقضاء الله لم يُسخِطهُ أحدٌ، ومن قنِعَ بعطائه لم يدخله حسدٌ).

ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ارضَ بما قسمَ الله تكن أغنى الناس، واجتنِب محارِمَ الله تكن أورعَ الناس، وأدِّ ما فرضَ الله تكن أعبدَ الناس».

وقيل للحُسين بن عليٍّ رضي الله عنهما: إن أبا ذرٍّ رضي الله عنه يقول: «الفقرُ أحبُّ إليَّ من الغِنى، والسَّقَمُ أحبُّ إليَّ من الصحة». فقال الحسين رضي الله عنه: (رحِمَ الله أبا ذرٍّ! أما أنا فأقول: من اتَّكَل على حُسن اختيار الله لم يتمنَّ غيرَ ما اختارَ الله له).

عباد الله: الرضى والسعادةُ ينبوعٌ يتفجَّرُ من القلبِ والنفسِ الكريمةِ الرَّاقِيَةِ التَّقِيَّةِ الطاهِرة، نفسٌ سعيدةٌ أينما حلَّت في السوق أو في الدُّور، في البَراري أو بين الصُّخور، في الأُنسِ والوَحشة، في المُجتمعِ وفي العُزلَة؛ فمن أرادَ السعادةَ فليسأل عنها نفسَه التي بين جنبَيْه.

فلا تطمَع -رحمك الله-، ولا تهلَع ولا تجزَع، ولا تُفكِّر فيما لا وصولَ إليه، ولا تحتقِر من فضَّلَكَ اللهُ عليه، واعلَم أن كلَّ شيءٍ بقضاءٍ وقدَر، واللهُ أعلمُ بشؤونِ خلقِه يُعِزُّ ويُذِلُّ، ويرفَعُ ويضَعُ، ويُعطِي ويمنَعُ، فهو الذي أغنى وأقنَى، وأضحَكَ وأبكى؛ فمن رضِيَ طابَ عيشُه، ومن تسخَّطَ طالَ طيشُه.

المؤمنُ وحدَه هو الذي يغمُرُه الإحساسُ بالرِّضا بكل قدَرٍ من أقدار الله؛ فهو مؤمنٌ أن تدبيرَ الله أفضلُ من تدبيرِه لنفسِه. المؤمنُ يملأُ الرِّضا جوانِحَه؛ لأنه يعلمُ أن الخيرَ بيدَي ربِّه، والشر في هذه الدنيا لا يُناقِضُ الخيرَ ولا يُعارِضُه؛ بل قضَت سنَّةُ الله أن لا يكون صبرٌ إلا مع شُكرٍ، ولا كرَمٌ من غيرِ حاجةٍ، ولا شجاعةٌ من غيرِ مُخاطَرةٍ؛ فالفضائلُ والخيراتُ لا تظهَرُ إلا بأضدادِها، فالشِّبَعُ مع الجُوع، والرِّيُّ مع الظَّمَأ، والدِّفْءُ مع البَرْدِ، وما عرَفَه المؤمنُ من حكمةِ الله في خلقِهِ وأسرارِ كونِه وآياتِه فهو بفضلِ الله، وما خفِيَ سلَّمَه لربِّه العليم الخبير.

المؤمنُ المُطمئنُّ الراضِي يلهَجُ بذكرِ الله، ويستشعِرُ نعَمَ الله: (الحمدُ الله الذي أطعمَنا، وسقانا، وكفانا، وآوانا، وجعلَنا مُسلمين). (الحمدُ لله الذي كساني هذا ورَزَقنيه من غيرِ حولٍ مني ولا قُوَّةٍ). و(الحمدُ لله الذي أحياني بعد ما أماتَني وإليه النشور). (الحمدُ لله الذي أذهبَ عني الأذَى وعافاني). (اللهم إني أصبَحتُ منك في نعمةٍ وعافيةٍ وسِترٍ، فأتِمَّ عليَّ نِعمتَكَ وعافِيَتك وسِترَكَ في الدنيا والآخرة). (اللهم ما أصبَحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِكَ فمنك وحدَكَ لا شريكَ لك، فلك الحمدُ ولك الشكرُ). فالحمدُ لله رب العالمين، والحمدُ لله على كل حال.

هذا هو المؤمنُ، يغمُرُه الرِّضا والطمأنينة والسعادةُ في كل حينٍ، وعلى كل حالٍ، مُتعلِّقٌ بربِّه، راضٍ عنه، مُطمئنٌّ إليه، يتلقَّى ويتقبَّلُ أقدارَ الله في نعمائها وبأسائها، والدنيا وتقلُّباتها في إقبالِها وفي إدبارِها، ويعلمُ علمَ اليقين أن الله يُريدُ بعباده اليُسرَ ولا يُريدُ بهم العُسـرَ: ﴿ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19]، ﴿ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:216].

Adobe Systemsالمؤمنُ الراضِي السعيدُ مُوقِنٌ أن الله معه؛ فهو في معيَّة الله يحفَظُه ويكلؤُه، (أنا عند ظنِّ عبدِي بي وأنا معَه إذا ذكَرَني)، ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ [طه:46]. إن شعورَ المؤمن بمعيَّة الله يجعلُه في أُنسٍ دائمٍ ونعيمٍ موصولٍ.

رضيت بما قسمَ الله لي

وفوّضتُ أمري إلى خالقي

كما أحسن الله فيما مضـى

كذلك يُحسن فيما بَقِي

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / محمد ويلالي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة