إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
الشفاعة وما أدراك ما الشفاعة، هي التوسط للغير بجلب خير له أو دفع شر عنه.
يقول الله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة:255]. وقال تعالى: ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ [يونس:3].
وقال تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿٢٦﴾ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾وقال الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ﴿١٠٥﴾ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾ لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴿١٠٧﴾ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ۖ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴿١٠٨﴾ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ [طه:105-109].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ»[1].
عن جابر رضي الله عنه أَنَّ النَّبِىَّ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِىَ الْـمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[2].
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنهأَنَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِى عَنْ هَذَا الْـحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْـحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ»[3].
وعقيدة أهل السنة والجماعة في الشفاعة أنهم يؤمنون بكل ما جاءهم عن الله عز وجل وعن رسوله ﷺ في الشفاعة، ويثبتون جميع الشفاعات التي جاءت نصوص الكتاب والسنة بإثباتها؛ كشفاعته ﷺ لأهل الموقف، وشفاعته ﷺ لأهل الكبائر، وغير ذلك من أنواع الشفاعات الواردة له ولغيره ﷺ. وينفون الشفاعة التي نفتها الأدلة من الكتاب والسنة. يقول العلامة حافظ الحكمي رحمه الله:
(فهذه الشفاعة حق يؤمن بها أهل السنة والجماعة، كما آمن بها الصحابة رضوان الله عليهم، ودرج على الإيمان بذلك التابعون لهم بإحسان Ȋ ورضوا عنه)[4].
أيها الناس: وللشفاعة شروط حتى تُقبل عند الله تعالى، منها:
قدرة الشافع على الشّفاعة كما قال تعالى في حق الشافع الذي يطلب منه وهو غير قادر على الشّفاعة: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس:18]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف:86] فعلم من هذا أن طلب الشّفاعة من الأموات طلب ممن لا يملكها، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر:14].
ومن شروط قبول الشفاعة: إسلام المشفوع له. قال الله تعالى: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ [غافر:18]. قال البيهقي: (فالظالمون هاهنا هم الكافرون، ويشهد لذلك مفتتح الآية إذ هي في ذكر الكافرين)[5].
ومنها: الإذن للشافع. كما قال الله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة:255].
الشرط الرابع لقبول الشفاعة: الرّضا عن المشفوع له قال تعالى﴿ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ [طه:109]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء:28].
والنبي ﷺ له شفاعات يختص بها دون غيره..
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (فله ﷺشفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها ﷺ أفضل مما لغيره، فإنه أفضل الخلق وأكرمهم على ربه عز وجل، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين)[6].
ومن هذه الشفاعات:
الشفاعة العظمى: وهذه الشفاعة أجمع عليها أهل الإسلام. قال تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسراء:79].
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ أُتِىَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً فَقَالَ «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ بِمَ ذَاكَ يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِى وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لاَ يُطِيقُونَ وَمَا لاَ يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ أَلاَ تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ ائْتُوا آدَمَ. فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْـمَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ آدَمُ إِنَّ رَبِّى غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ نَهَانِى عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِى نَفْسِى اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرْضِ وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِى دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِى نَفْسِى نَفْسِى اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﷺ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ نَبِىُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ نَفْسِى نَفْسِى اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى. فَيَأْتُونَ مُوسَى ﷺ فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالاَتِهِ وَبِتَكْلِيمِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ مُوسَى ﷺ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنِّى قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِى نَفْسِى اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ﷺ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِى الْـمَهْدِ وَكَلِمَةٌ مِنْهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ لَهُمْ عِيسَى ﷺ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْبًا - نَفْسِى نَفْسِى اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِّى فَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَأَنْطَلِقُ فَآتِى تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّى ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَىَّ وَيُلْهِمُنِى مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِى ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِى أُمَّتِى. فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلِ الْـجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْـجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْـمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْـجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى»[7].
ومن الشفاعات: الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة بعد الفراغ من حسابهم:
من الأدلة على هذه الشفاعة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ في الْـجَنَّةِ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ وَإِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلاَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ»[8]. وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺقَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُوهَا فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[9]. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن النبي ﷺ أول الشفعاء لأهل الجنة في دخولها.
ومنها: الشفاعة في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب:
ومن الأدلة على هذه الشفاعة:
حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بشيء، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ قَالَ «نَعَمْ هُوَ في ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، لَوْلاَ أَنَا لَكَانَ في الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[10].
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْـخُدْرِي رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ النبي ﷺ وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شفاعتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ في ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِى مِنْهُ دِمَاغُهُ»[11].
فهذه الأحاديث تبين أن سبب شفاعة الرسول ﷺ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه هو دفاعه عن الرسول ﷺ ونصرته له، و هو مات كافرًا، والله سبحانه وتعالى أخبر أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين ولكن شفاعة الرسول ﷺ لعمه شفاعة خاصة، حتى ورد أنه أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة.
وهذه الأنواع الثلاثة من الشفاعة خاصة بنبينا محمد ﷺ.
الشفاعة في أهل الكبائر من أمته ممن دخلوا النار بذنوبهم أن يخرجوا منها.
فقد تقدم في الأحاديث أن الله يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وكان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان.. وذلك بفضل شفاعة النبي ﷺ. وأهل الكبائر يدخلون فيهم لأنهم قالوا لا إله إلاّ الله. ومع ذلك فقد جاءت أحاديث خاصة في ذلك.
عَنْ أَبِى مُوسَى الأشعري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أمتي الْـجَنَّةَ فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ لأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَكْفَى أَتُرَوْنَهَا لِلْمُتَّقِينَ لاَ وَلَكِنَّهَا لِلْمُذْنِبِينَ الْـخَطَّائِينَ الْـمُتَلَوِّثِينَ»[12].
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «شفاعتي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أمتي»[13].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة، ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضا لعموم الخلق)[14].
ومنها: الشفاعة لإدخال قوم الجنة بغير حساب.
ويدل على ذلك كما جاء في حديث أبي هريرة وفيه قول النبي ﷺ: «فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي. فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلِ الْـجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْـجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ..»[15].
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، وبعد:
فإن شفاعة النبي ﷺ هي الشفاعة العظمى التي لا يشاركه فيها غيره، ثم هناك شفاعات أخرى غير شفاعة النبي ﷺ منها:
شفاعة المؤمنين والملائكة والأنبياء: ودليل هذه الشفاعة: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في حديث رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة والشفاعة الطويل، وفيه: «فَيَقُولُ اللهُ عز وجل شَفَعَتِ الْـمَلاَئِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْـمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا فَيُلْقِيهِمْ في نَهْرٍ في أَفْوَاهِ الْـجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهْرُ الْـحَيَاةِ فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْـحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ أَلاَ تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْـحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِـرُ وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ». فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ قَالَ «فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ في رِقَابِهِمُ الْـخَوَاتِمُ يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْـجَنَّةِ هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ اللهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللهُ الْـجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلاَ خَيْرٍ قَدَّمُوهُ ثُمَّ يَقُولُ ادْخُلُوا الْـجَنَّةَ فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ. فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ. فَيَقُولُ لَكُمْ عندي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا أي شيء أَفْضَلُ مِنْ هَذَا. فَيَقُولُ رضاي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»[16].
ومنها: شفاعة الشهداء: عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ. «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يَغْفِرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْـجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الْإِيمَانِ، وَيُزَوَّجُ مِنْ الْـحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ»[17].
ومنها: شفاعة أولاد المؤمنين لآبائهم يوم القيامة: فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَمُوتُ لَهُمَا ثَلاَثَةُ أَوْلاَدٍ لَمْ يَبْلُغُوا الْـحِنْثَ إِلاَّ أَدْخَلَهُمُ اللهُ وَإِيَّاهُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ الْـجَنَّةَ. وَقَالَ يُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الْـجَنَّةَ. قَالَ فَيَقُولُونَ حَتَّى يَجِىءَ أَبَوَانَا - قَالَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ - فَيَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَيُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الْـجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَبَوَاكُمْ»[18].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عز وجل ليرفع الدّرجة للعبد الصّالح في الجنّة، فيقول: يا ربّ أنّى لي هذه؟ فيقال: باستغفار ولدك لك»[19].
الأعمال التي تشفع لأصحابها يوم القيامة:
شفاعة الصيام والقرآن: عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أي رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فشفعني فِيهِ. قَالَ فَيُشَفَّعَانِ»[20].
3- سكنى المدينة والصبر على شدتها والموت بها:
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ مَوْلَى الْـمَهْرِىِّ أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْـخُدْرِي رضي الله عنه لَيَالِىَ الْـحَرَّةِ فَاسْتَشَارَهُ في الْـجَلاَءِ مِنَ الْـمَدِينَةِ وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ وَأَخْبَرَهُ أَنْ لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْـمَدِينَةِ وَلأْوَائِهَا. فَقَالَ لَهُ وَيْحَكَ لاَ آمُرُكَ بِذَلِكَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لاَ يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لأْوَائِهَا فَيَمُوتَ إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا»[21].
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْـمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ فَإِنِّى أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا»[22].
الصلاة على النبي ﷺ وطلب الوسيلة له:
عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[23].
عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ النبي ﷺ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْـمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِىَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِى الْـجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِى إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِىَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ»[24].
5-المصلون على الميت الموحد لله عز وجل:
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ النبي ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْـمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلاَّ شُفِّعُوا فِيهِ»[25].
وعنده من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لاَ يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ»[26].
كثرة السجود لله: عَنْ زِيَادِ بن أَبِى زِيَادٍ، مَوْلَى بَنِى مَخْزُومٍ، عَنْ خَادِمٍ للنبي ﷺ، رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ مِمَّا يَقُولُ لِلْخَادِمِ: «أَلَكَ حَاجَةٌ؟» قَالَ: حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ حَاجَتِي، قَالَ: «وَمَا حَاجَتُكَ؟» قَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَشْفَعَ لِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: «وَمَنْ دَلَّكَ عَلَى هَذَا؟» قَالَ: رَبِّى عز وجل، قَالَ: «إِمَّا لا فَأَعِنِّى بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»[27].
عباد الله: وهناك أسباب مانعة من الشفاعة على المسلم اجتنابها والحذر منها، ومن ذلك:
الشرك بالله عز وجل والكفر به: الشرك أعظم ذنب عصـي الله به، ولا يغفر الله سبحانه لصاحبه إلا بالتوبة، وقد دل على أن الشـرك يمنع الشفاعة قوله تعالى: ﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ﴿٢٣﴾ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [يس:23-24].
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِى عَنْ هَذَا الْـحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْـحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بشفاعتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ»[28].
ومنهم: اللعن واللعانين بغير حق: عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺيَقُولُ «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لاَ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلاَ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[29].
الظلم في الحكم والغلو في الدين والتشدد بما ليس فيه.
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَنْ تَنَالَهُمَا شَفَاعَتِي: إِمَامٌ ظَلُومٌ، وَكُلُّ غَالٍ مَارِقٍ»[30].
حكم الاستشفاع بالرسول ﷺ في الدنيا في حياته وبعد مماته.
إن طلب الشفاعة من الرسول ﷺ في أمور الدنيا حال حياته من الأمور الجائزة بل هو من الأمور التي حث عليها هو ﷺ؟ لأن فيها نفعا للمسلمين، وكان الصحابة Ȋ يتوسلون إلى الله عز وجل بدعائه وشفاعته ﷺ، وأما طلب الشفاعة من الرسول ﷺ بعد موته فهو من الأمور المحدثة المبنية على الهوى.
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ عُمَرَ بن الْـخَطَّابِ رضي الله عنهكَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بن عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ فَيُسْقَوْنَ[31]. فَكَانُوا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ لَهُمْ كَمَا يَتَوَسَّلُ بِهِ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَسْتَشْفِعُونَ بِهِ إلَى رَبِّهِمْ فَيَأْذَنُ اللهُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ فَيَشْفَعُ لَهُمْ، فَلَـمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُونُوا يَدَعُونَهُ وَلَا يَسْتَغِيثُونَ بِهِ وَلَا يَطْلُبُونَ مِنْهُ شَيْئًا لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا بَعِيدًا مِنْ قَبْرِهِ؛ بَلْ وَلَا يُصَلُّونَ عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا قَبْرِ غَيْرِهِ لَكِنْ يُصَلُّونَ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيُطِيعُونَ أَمْرَهُ وَيَتَّبِعُونَ شَرِيعَتَهُ وَيَقُومُونَ بِمَا أَحَبَّهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ الْـمُؤْمِنِينَ[32].
والحمد لله رب العالمين.
صاحب هذه الخطبة
اللجنة العلمية بمسجد التوحيد؛ بلبيس