الحمد لله، الحمد لله الولي الحميد، ذي العرش المجيد، الفعَّال لما يُريد، أحمده سبحانه وأشكرُه وعدَ الشاكرين بالمزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ الإخلاص والتوحيد، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أفضلُ الأنبياء وأشرفُ العبيد، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله السادة الأطهار، وأصحابِه البرَرة الأخيار ذوي القول السديد والنهج الرشيد، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الوعيد، وسلَّم التسليمَ الكثيرَ المزيد.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
أيها المسلمون: يقول الله تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴿١٥١﴾ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة:151-152]﴾. ويقول سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [البقرة:172].
إنه خُلُقٌ عظيمٌ، ومقامٌ من مقامات العبادة كريم، أمرَ اللهُ به، ونهى عن ضدِّه، وأثنَى على أهلِه، ووصفَ به خواصَّ خلقِه، وجعلَه غايةَ خلقه وأمرِه. وعدَ أهلَه بأحسن جزائِه، وجعلَه سببًا للمزيد من فضلِه، وحارسًا لنعمه، وحافِظًا لآلائِه. أهلُه هم المُنتفِعون بآياته، اشتقَّ لهم اسمًا من أسمائِه، هم القليلون من عباده، وحسبُكم بهذا كلِّه فضلًا وشرفًا وعلوًّا. إنه مقامُ الشكر، نصف الإيمان، وقسيم الصبر، فالإيمان نصفه صبر، ونصفه شكر، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [إبراهيم:5]، فمن استكمل الشكر والصبر فقد استكمل حقيقة الإيمان.
أيها المؤمنون: إن معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله تُوجِبُ محبَّتَه وتعظيمَه وإفرادَه، ومن أسمائِه: الوهَّاب، ومن صفاته: الكرَم، ومن كرمِه: ما امتنَّ به على عباده من النِّعَم، فأسبغَ عليهم منها ما لم يسألُوه إياها، ومنَحَ لهم منها ما سألُوه، ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ [إبراهيم:34]. وفتحَ عليهم نِعَمًا من السماءِ والأرض؛ ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم:34]. وتذكُّرُ نعَمِ الله داعِيةٌ لشُكرِه وتوحيده وكثرةِ عبادته، وهي من أسبابِ الفَلَاح؛ قال جل وعلا: ﴿ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف:69].
واللهُ أمرَ رُسُلَه بتذكُّر نعَمِه عليهم، فقال لعيسى بن مريم عليه السلام: ﴿ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [المائدة:110]. وقال لنبيِّنا محمد ﷺ: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ﴿٦﴾ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ ﴿٧﴾ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ ﴾ [الضحى:6-8].
وأمر الرُّسُلُ أقوامَهم بتذكُّر أفضالِ الله عليهم؛ فقال هودٌ لقومه: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ [الأعراف:69]، وقال صالحٌ لقومه: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ﴾ [الأعراف:74]، وقال شعيبٌ لقومه: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ﴾ [الأعراف:86]، وقال موسى لقومه: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾ [إبراهيم:6].
وقال سبحانه مُمتنًّا على الأوسِ والخَزرَج: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [آل عمران:103]، وقال لعباده المؤمنين: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ [الأنفال:26].
فاذكروا نعم الله عليكم، لعلكم أن تشكروا إحسانه إليكم، فإن نعمه عليكم لا تُحصـى، كما أن ذنوبكم لا تُحصى، لكن تذكُّر النعم يورث الشكر، ونسيانها يورث الكفر، ولقد كان الصحابة ╚ يتذاكَرون نعَمَ الله عليهم، فخرجَ عليهم النبي ﷺ، فسألَهم فقالوا: جلَسنا نذكُر الله ونحمدُه على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا؛ رواه مسلم.
وجلسَ الفُضيلُ بن عياض وسفيان بن عُيينة ليلةً يتَذَاكران نعم الله عليهما إلى الصباح.
والله سبحانه بفضله نوَّعَ النِّعَمَ لعباده؛ فمنها ما هو نازلٌ من السماء، ومنها ما هو خارجٌ من الأرض، ومنها ما هو في جوفِها، والبحارُ المُتلاطِمةُ الأمواجِ مُذلَّلةٌ للإنسان، الفُلكُ تمخُرُ في أعلاها، وما في بطنِها من الصيدِ والطعام بما فيه مَيتَتُه حلالٌ لهم، وجواهِرُها من اللؤلؤ والمَرجان ونفائِسَ أُخَر حِليَةٌ لهم ومال. والنجومُ والكواكبُ من فوقِهم منها الجواري ومنها الكُنَّس، وفيها الوهَّاج وفيها ما هو زينة، منها ما يُبصَر ومنها ما لا يُبصَـر، وما بين السماء والأرض رياحٌ بُشرى بين يدَي رحمته. والأرض مدَّها فلا تضيقُ بالخلق، وبالجبال أرساها، وأنبتَ فيها من كل زوجٍ بهيجٍ. والإنسان خلقَه وركَّبَه وفي أحسن صُورةٍ صوَّرَه، وأمرَه بالتفكُّر في نفسه، وقال لعباده: ﴿ هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ [لقمان:11].
بل كل ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما فهي هبةٌ من الله للإنسان يستعينُ بها على طاعته، قال سبحانه : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ [الجاثية:13].
ولا تتمُّ على العبد النِّعَمُ إلا بالدين، الذي هو أكمل النعم وأعلاها: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة:3]. ومن المِنَّة على هذه الأمة أن بعَثَ فيها أفضلَ رُسُله وأنزل إليها خير كتبه، وجعلها خير أمة أُخرجت للناس.
ومن رأى أن الله هداه لعبادته وتوحيده، مع ضلال غيره؛ عظُمَت نعمةُ الله عليه في قلبه؛ فوالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، ثم نعمة العافيةُ أعظمُ نعمةٍ دُنيوية؛ والفراغُ كالصحةِ في قدر النعمة، ولكن قلّ من يشكرهما ويعرف قدرهما؛ قال عليه الصلاة والسلام: «نِعمتان غبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصحةُ والفراغُ»؛[1]. وكرمُ الله وافِرٌ، وعطاؤُه جَزيل، ونِعمُه تزيدُ بالشُّكر، ومن شُكرِها الإقرارُ بأنها منَ الله؛ ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل:53]، ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم:34]. وإن بقاءُ النعمةِ مقرونٌ بالشُّكر، فإن النعم إن لم تُشكَر زالَت؛ قال سبحانه: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم:7].
عباد الله: إن المعاصِي تدفَعُ حُلولَ نعمةٍ نازِلَة، أو ترفَعُ نعمةً حادِثة، وقد لا ترفَعُها ولكن تُنزَعُ البركةُ منها، أو تكون عذابًا لصاحبها، وما أذنبَ عبدٌ ذنبًا إلا زالَت عنه نعمةٌ بحسب ذلك الذنبِ؛ قال ابنُ القيم رحمه الله: (المعاصِي نارُ النعَم تأكلُها كما تأكُلُ النارُ الحَطَبَ).
وإذا رأيتَ نعَمَه سابِغةً عليك وأنت تعصِيه، فاحذَره فقد يكون استِدراجًا لك؛ كما قال سبحانه عن قوم: ﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٤٤﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ [القلم:44-45]. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتَ اللهَ يُعطِي العبدَ من الدنيا على معاصِيه ما يُحبُّ فإنما هو استِدراجٌ»، ثم تلا رسولُ الله ﷺ: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام:44][2].
وإذا حلَّت نعمةٌ وإن قلَّت فإنها تزيد المؤمن الشاكر إيمانًا وتزيد الجاحد الكافر بها بُعدًا؛ فقد أمطرت السماء في ليلة من الليالي على عهد النبي ﷺ فقال في صبيحتها: «قال الله تعالى: أصبحَ من عبادي مُؤمنٌ بي وكافِر»[3].
وكل نعمةٍ وإن كانت يسيرةً سيُسألُ عنها العبدُ هل شكرَها أم جحَدَها؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إن أولَ ما يُسألُ عنه العبدُ يوم القيامةِ - أي: من النِّعَم -: أن يُقال له: ألم نُصِحَّ لك جسمَك ونرويكَ من الماء البارِد؟»[4]. والنِّعَمُ بذاتِها لا تُقرِّبُ من الله، وإنما حين تُشكر ويُستعانُ بها على طاعته؛ قال سبحانه: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سبأ:37].
وقد يُعذَّبُ المرءُ بالنعمةِ إذا لم يتَّقِ اللهَ فيها؛ قال تعالى: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة:55]. قال الحسن رحمه الله: (إن الله ليُمتِّعُ العبدَ بالنعمةِ ما شاءَ، فإذا لم يشكُر ربَّه عليها قلَبَها عذابًا)، نسأل الله العفو والعافية.
إن الله تعالى وهَّابٌ كريمٌ يدُه ملأى سحَّاءُ الليل والنهار، لكنه عليمٌ حكيمٌ، يُعطِي كلَّ عبدٍ ما يُلائِمُه من النِّعَم، فمن الناس من بسط لهم في الأرزاق فطغوا وبغوا، وتكبروا وكفروا بتلك النعم، فما زادتهم من الله إلا بُعدا، ولقد منع الله بعض عباده وضيّق عليهم من حبه لهم ورحمته بهم لئلا يقعوا فيما وقع فيه أولئك، فمنع من يحب بعض ما يحبون وحرمهم مما إليه يطمحون، قال سبحانه: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾ [الشورى:27]. وقال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴿٦﴾ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴾ [العلق:6-7]، وقال: ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ﴾ [الإسراء:83].
فالله سبحانه لطيفٌ رحيمٌ يحرمُ العبدَ نعمةً يتمنَّاها، أو يُنزِلُ عليه نعمةً في لباسِ مُصيبةٍ ليرفَعَ درجتَه، والمؤمنُ يتقلَّبُ في حياته بين الشُّكرِ والرضا، والصبر والاستغفار.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله، أحصَى كل شيءٍ وعلِمَه، وأتقنَ ما صنَع وأحكمَه، أحمده سبحانه على ما وهبَ من العلم وفهَّمَه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ من عرفَ الحقَّ والتزمَه، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه صدعَ بالحق وأسمعَه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأنصار ممن عزَّره ووقَّرَه وكرَّمه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
أيها الناس: الشكرُ أمرٌ مستقرٌّ في سُلوك المُتعبِّدين، ونهجٌ راسِخٌ في نفوس الصالحين، تمتلِئُ به قلوبُهم، وتلهَجُ به ألسِنتُهم، ويظهرُ على جوارِحهم.
وأولُ أنبياء الله نوحٌ عليه السلام ، وصفَه ربُّه بقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ [الإسراء:3]، والخليلُ إبراهيم صاحب الملَّة الحنيفية قال فيه ربُّه: ﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل:121]، ويقول سليمان عليه السلام وهو ينظرُ فيما خصَّه به ربُّه من نعمه وسخَّر له من مخلوقاتِه: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل:19]، ويقول: ﴿ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل:40].
أما نبيُّنا محمدٌ ﷺ وهو الذي قد غفرَ الله له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فيقومُ لربِّه من الليل حتى تتفطَّر قدماه، ويقول: «أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟».
الشكرُ اعترافٌ من العبد بمنَّة الله عليه، وإقرارٌ بنعمِه عليه من خيرَي الدنيا والآخرة في النفس، وفي الأهل والمال والأعمال، وفي شأن العبد كلِّه، وهو دليلٌ على أن العبدَ راضٍ عن ربِّه؛ فالشكرُ حياةُ القلب وحيَّويَّتُه، وهو دليلٌ على صفاء النفس، وطهارة القلب، وكمال العقل؛ وإن الله جل وعلا خلقَ الناسَ من أجل أن يشكُروه، يقول - جل وعلا -: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل:78].
والشكرُ أولُ وصيَّةٍ وصَّى بها الإنسان: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان:14].
وأخبرَ - عزَّ شأنه - أن يرضى عمن شكره، فقال: ﴿ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر:7].
كما جعلَ الشكر سببًا من أسباب الأمن من عذاب الله، يقول عزَّ شأنه: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ [النساء:147].
بل لقد خصَّ الله الشاكرين بتوفيقهم وتفضيلهم على غيرهم من الناس، فقال جل وعلا: ﴿ وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ [الأنعام:53].
أيها الإخوة: وللشكرِ أركانٌ ثلاثة: الاعترافُ بالنعم باطنًا مع محبَّة المُنعِم، والتحدُّثُ بها ظاهرًا مع الثناء على الله، وصرفُها في طاعة الله ومرضاته واجتناب معاصِيه.
يقول الحسنُ البصريُّ رحمه الله: (الخيرُ الذي لا شرَّ فيه: العافية مع الشكر؛ فكم من شاكرٍ وهو في بلاء، وكم من مُنعَمٍ عليه وهو غيرُ شاكِر. فإذا سألتُم الله فاسألُوه الشكرَ مع العافية).
وشكرُ الله واجبٌ في جميع الأحوال: في الصحة والسَّقَم، والشباب والهرَم، والفقر والغِنى، والفراغ والشَّغل، والسرَّاء والضرَّاء، واليقَظَة والمنام، والسفَر والإقامة، وفي الخَلوة والاختلاط، قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم؛ فإن أمر المؤمن كله له خير، والخير في التسليم لما اختاره الله.
يقول أبو الدرداء: «من لم يعرِف نعمَ الله عز وجل عليه إلا في مطعمه ومشربِه فقد قلَّ علمُه». لأن نعم الله دائمة، وآلاءَه مُتتابِعة، ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم:34]، وقال - عزَّ شأنه -: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان:20].
واعلموا - وفقكم الله - أن وسائل الشكر لا تُحصَى، وميادينَه لا تُحصَر، فاشكُروا ربَّكم على ما أظهرَ من جميل، وعلى ما ستَرَ من قبيح، وإن من شُكرِ نعم الله: حمدُ الله عليها؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إن اللهَ ليرضَى عن العبد أن يأكلَ الأكلَةَ فيحمَده عليها، أو يشـربَ الشربةَ فيحمدَه عليها»؛[5].
وتَعدادُ النِّعم من الشكر، والتحدُّث بالنِّعم من الشكر، ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى:11]، ومن أثنَى فقد شكَر، والمقصود بذلك الثناء على الله لا الثناء على النفس الذي يورث الكبر والأشَر والبطر واحتقار الآخرين، بل التمدح بنعم الله مع التواضُع لعباده والإنفاق مما أعطاك الله ابتغاءَ وجهه، والمُعافَى يتحدَّثُ بعافيةِ الله له، ويُعمِلُ جوارِحَه في طاعته.
وتذكُّر المحرومين من النِّعَم يزيدُ من قدرها، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أوَى إلى فراشه يحمدُ ربَّه على النِّعَم، ويتذكَّرُ من حُرِمَها؛ قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ إذا أوَى إلى فراشِه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافِيَ له ولا مُؤوِي»[6]. والنظرُ إلى من هو دونَه في الدنيا يفتَحُ بابَ القناعة؛ قال عليه الصلاة والسلام: «انظُروا إلى من هو أسفلَ منكم، ولا تنظُروا إلى من هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ ألا تزدَروا نعمةَ الله عليكم»[7]. واستعمال النعمة في الطاعة تحفظُ تلك النعمةَ وتزيدُها.
ومن أسباب دوامِ النعم: دعاء الله أن يبقيها والاستعاذة من زوالها، ولقد كان من دُعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أعوذُ بك من زوال نعمَتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتِك، وجميع سخَطك»[8]. ويكونُ شكرُ النعمة بالصلاة؛ كما سبق أن النبي ﷺ كان يُصلِّي من الليل حتى تتفطَّر قدماه، ويقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». ويكونُ بالصيام؛ فقد صامَ مُوسَى يوم عاشوراء شُكرًا لله؛ إذ نجَّاه وقومَه من فرعون وقومِه، ثم صامَه نبيُّنا محمدٌ ﷺ وأمرَ بصيامِه، وقال لليهود: «نحن أحقُّ بمُوسَى منكم».
كما يكونُ الشكرُ بسَجدة شكرٍ يسجُدها المؤمن إذا جاءَه خيرٌ من ربِّه، أو حدثَت له نعمةٌ من مولاه، وقد سجدَ نبيُّكم محمدٌ ﷺ حين أخبرَه جبريل أن الله يقول: «من صلَّى عليك صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشـرًا». وسجدَ أبو بكر رضي الله عنه لما بلغَه مقتلُ مُسيلِمة الكذَّاب. وسجدَ عليٌّ رضي الله عنه لما بلغَه مقتلُ الخارجيِّ ابن الثُّدَيَّة. وسجدَ كعبُ بن مالك لما تابَ الله عليه. يقول عبد الرحمن السُّلميُّ: (الصلاةُ شكرٌ، والصيامُ شكرُ، وكلُّ خير يعمله لله عز وجل الشكرُ، وأفضلُ الشكر الحمدُ).
والقناعةُ شكرٌ؛ فكن قانِعًا تكُن أشكرَ الناس، والمعروفُ رِقٌّ، والمُكافأةُ عِتقٌ. ومن قصُرت يدُه عن المُكافأة فليُكثِر من الشكر والثناء، ومن لا يشكُر القليل لا يشكُر الكثير.
ومن الشكرِ: ألا يزالَ لسانُك رطبًا من ذكر الله: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة:152].
أيها الناس: وإن من فضل الله ورحمته ولُطفه: أنه - جلَّ في عُلاه - يشكرُ لعباده، فهو الغفورُ الشكور؛ فالذي سقَى الكلبَ شكرَ الله له فغفَرَ له؛ فكيف بمن يُحسِنُ للمسلمين، ويتفقَّدُ المُحتاجين، ويتصدَّقُ على المُعوِزين، ويرحَمُ المُستضعَفين. والذي أخَّر غُصن الشوك عن الطريق شكَر الله له فغفَرَ له؛ فكيف بمن يسعى في تيسير أمور الناس وتفريج همومهم وتنفيس كروبهم؟!
ومن لُطفه - عزَّ شأنه - أن جعلَ شُكرَ الناس من شُكر الله: «لا يشكرُ الله من لا يشكُر الناس».
ولقد جُبِلَت القلوب على حبِّ من أحسنَ إليها، ولا أحدَ أعظمُ إحسانًا من الله؛ فالمخلوقُ يتقلَّبُ في جميع أحواله في نعَمِ الله، ومن استعانَ بها على معصية الله فقد جحدَها، ومع كثرة النِّعَم وتوارُدِها على العبادِ قلَّ من يشكُرُها؛ قال سبحانه: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ:13]. وإن التوفيق لشكر النعمة، هو نعمة مستقلة بذاتها، كما قال محمود الورّاق رحمه الله تعالى:
| إذا كان شكري نعمة اللّه نعمة |
| عليّ له في مثلها يجب الشّكرُ |
| فكيف وقوع الشّكر إلّا بفضله |
| وإن طالت الأيّام واتّصل العمرُ |
| إذا مسّ بالسّـرّاء عمّ سرورها |
| وإن مسّ بالضّـرّاء أعقبها الأجرُ |
| وما منهما إلّا له فيه منّةٌ |
| تضيق بها الأوهام والبرّ والبحرُ |
فأحسِنوا جوارَ نعم الله؛ فإنها قلَّ ما نفَرَت عن أهل بيتٍ فكادَت أن ترجِع إليهم، وإن المفلِحُ من تذكَّر نعَمَ الله عليه في القليل والكثير وشكرَها، فالشكر قيد وصيد، قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة،
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودك وكرمِك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك..
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /عبد المحسن القاسم