إن الحمد لله، جل من رب وتعالى من إله، هو سبحانه رب كل شيء ومليكه ومولاه، وهو العلي الأعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم السـر والنجوى، والمؤمَّل لكشف كل بلوى، ورفع كل لأوى، سبحانه وبحمده ليس في الكون رب سواه فيدعى، وليس في الوجود إله غيره فيرجى، وليس في الملأ حكم غيره فترفع إليه الشكوى، وأشهد أن نبينا وقدوتنا محمدًا عبد الله ورسوله النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضـى، بلغ رسالة ربه فما ضل وما غوى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴾ [النجم:3-4].
صلى الله عليه وعلى آله أنوار الهدى، وصحبه مصابيح الدجى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا عباد الله: خير الوصايا وصية رب البرايا: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء:131] فاتقوا الله رحمكم الله، فبالتقوى العصمة من الفتن، والسلامة من المحن.
في سير أعلام النبلاء[1] أن سليمان بن يسار دخل على الخليفة هشام بن عبد الملك، فقال الخليفة: (يا سليمان، من الذي تولى كبر الإفك؟ قال: عبد الله بن أبي بن سلول. فقال: كذبت، هو علي، فسكت سليمان. ثم دخل بعد ابن شهاب، فسأله هشام، فقال: هو عبد الله بن أبي، قال: كذبت، هو علي. فانتفض الزهري وتغير لونه وقال: أنا أكذب لا أبا لك؟! والله الذي لا إله غيره لو نادى مناد من السماء: إن الله أحل الكذب ما كذبت، فما زال الأمير يجلّه بعد ذلك الكلام).
الصدق -أيها الفضلاء- خلق الكرام، وخلة أكد عليها الإسلام، هي صفة من اتصف بها نجا ومن اتصف بخلافها هوى، بالصدق تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال ومحك الأحوال، الصدق -كما قال ابن تيمية-: (أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها، الصادق ما يزال به صدقه حتى يوصله إلى الجنة، والكاذب ما يبرح به كذبه حتى يهديه إلى النار).
معشر الكرام، من خالط الناس رأى فيهم الصادق والكاذب، رأى فيهم الكاذب في أقواله فلا يحدث إلا بالكذب، إذا حدّث افترى وكذب في حديثه، وإذا واعد وعاهد لم يتم وعده، وتراه في أفعاله كاذبًا كما هو في أقواله، وذاك لا تراه إلا مبغوضًا من العباد ومن رب العباد.
ولكن الكرام النبلاء والصالحين الفضلاء لا يعرف الكذب لألسنتهم ولا لأفعالهم طريقًا، بل الصدق هديهم وإن كان فيه حتفهم، لعلمهم أن النجاة هي أن ينجو المرء عند رب البريات، فهم يفكرون لنجاة أنفسهم في الآخرة لا في الدنيا، لأنهم يسمعون من مقول رسولهم ﷺ التأكيد على الصدق، فصادق الإيمان لا يكذب وهو يسمع قول المصطفى ﷺ: «إنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ الرّجل ليصدق حتّى يكون صدّيقا، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وإنّ الرّجل ليكذب حتّى يكتب عند اللّه كذّابا»[2]. أيُّ مؤمن يقدم على الكذب وهو يسمع الحديث: «إنّ الصّدق طمأنينة، والكذب ريبة»[3]، وهو يسمع: «أربع إذا كنّ فيك فلا عليك ما فاتك في الدّنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفّة في طعمة»[4]؛ ولهذا ضربوا في الصدق مثلًا للخلق، تجليه مواقفهم وتترجمه كلماتهم.
لما تخلف كعب بن مالك رضي الله عنه ورجع النبي ﷺ من غزوه جاء كعب إليه، فسأله ﷺ: «يا كعب، ما الذي خلفك؟» فقال: يا رسول الله، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَي، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَي فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ، وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فقال ﷺ: «أما هذا فقد صدق»[5]. وبصدقه أنجاه الله وتاب عليه وبقي من كذبوا لا يؤبه لهم.
وكان من السلف من يقول: ما يسرني أني كذبت كذبة وأن لي الدنيا وما فيها. ومنهم القائل: والله ما كذبت كذبة قط منذ بلغت. وأوصى أحدهم بنيه عند موته قائلًا: يا بنيَّ، عليكم بالصدق حتى لو قتل أحدكم قتيلا ثم سئل عنه أقر به، والله ما كذبت كذبه منذ قرأت القرآن[6].
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «عليك بالصّدق حيث تخاف أنّه يضـرّك، فإنّه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنّه ينفعك فإنّه يضرّ بك»[7]، وقال: «لا تنظروا إلى صيام أحد ولا صلاته، ولكن انظروا إلى صدق حديثه إذا حدث وأمانته إذا ائتمن وورعه إذا أشفى»[8].
| وإذا الأمور تزاوجت |
| فالصدق أكرمها نتاجا |
| الصدق يعقد فوق رأس |
| حليفه بالصدق تاجا |
| والصدق يقدح زِندُهُ |
| في كل ناحية سراجا |
وقيل للقمان الحكيم: ما بلغ بك ما نرى؟ قال: (صدق الحديث وأداء الأمانة وتركي ما لا يعنيني).
وأما ربعي بن حراش فإنه لم يكذب منذ علم أن الكذب حرام، ولما طلب الحجاج ولديه ليرسلهما إلى الحرب اختبآ، فقيل للحجاج: (إن ربعيًا لم يكذب فسله عن بنيه، فدعاه وقال له: ما فعل ابناك يا ربعي؟ فصدقه القول وقال: هما في البيت مختبئين، فقال الحجاج: وهبناكهما لصدقك، وعفا عن ابنيه)[9].
فرحم الله أولئك القوم، صدقت ألسنتهم، وأعدوا لكلماتهم عند ربهم جوابًا، قال ابن دقيق: (ما تكلمت كلمة ولا فعلت فعلًا إلا وأعددت له جوابًا بين يدي الله عز وجل).
معشر المسلمين: ما أجمل أن يكون الصدق رائدَنا في كل أحوالنا، فإذا تكلمت فاصدق في مقالك، واعلم أن في الصدق نجاتَك، وإن بدى لك غير ذلك، واذكر أن الصادقين لهم عند الله الشأن العظيم، وأن الله يسمع حديثك ويعلم صدقك من كذبك.
إذا سُئلت عن أحدٍ فاصدق في قولك، ولا تغش من سألك، فكم من طلاق وقع وامرأة زوجت لغير كفئها لأجل أن من سُئل عنه ما صدق في قوله، أو لأجل أن الزوج ما صدق في حقيقة أمره وألبس نفسه ثوبًا ليس له، فغش من تقدم إليه.
تجنب الكذب ولو لإضحاك الناس، ولا يغب عن بالك قول الرسول ﷺ: «ويل للّذي يحدّث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له»[10].
واصدق في وعودك حين تعد، فالله أثنى على إسماعيل بوفائه بوعده فقال: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ﴾ [مريم:54]، فما بال البعض يعد ولا يفي بما وعد؟! وذاك خصلة من النفاق «إذا وعد أخلف»[11].
وكن على حذر من الكذب في الأحلام والرؤى، وأن تري عينك ما لم تر، ففي الحديث عند البخاري: «إن من أفرى الفِرَى أن يري المرء عينيه ما لم ترَ»[12].
وإذا خطّت يدك كلامًا في أي وسيلة مقروءة فلا تكذب فيما تكتب، فكم من كاتب في جريدة أو في موقع إلكتروني كذب كذبة فسارت بها الركبان، والنبي ﷺ أخبر أنه رأى رجلًا يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، وحين سأل عنه قيل له: هذا الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق.
وحتى في عِداتك لأولادك تحر الصدق معهم، ولأن لا تعد أهون من أن تعد فتخلف، وفي الحديث عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ»، فقَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ»[13].
| اصدق حديثك إنّ في |
| الصدق الخلاص من الدّنس |
| ودع الكذوب لشأنه |
| خير من الكذب الخرس |
| عود لسانك قول الصدق تحظ به |
| إن اللسان لما عودت معتاد |
عباد الله: وإذا كان ما مضى من الحديث هو في الصدق في الأقوال فإن ثمة أنواعًا من الصدق أخرى يجدر ذكرها، وربما كانت أهم من الصدق في القول وآكد:
الصدق في النية، أن يتعامل العبد مع الله بالصدق، فلا يظهر للناس خلاف ما يبطن، ويصدق مع الله في نيته الخير وطلبه له.
والصدق في الأفعال مطلب من شرائف الأمور، فما الذي ينفع العبد أن يظهر الخشوع أمام الناس أو يظهر غيرته وصلاحه وزهده وهو بخلاف ذلك، فالمؤمن الصادق هو الذي ترى سريرته كعلانيته أو أصفى، ولذا قال السلف: (إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النصَف، وإن كانت سريرته أفضلَ من علانيته فذلك الفضل، وإن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور).
وما أجمل أن يكون المرء صادقًا مع الله في سائر أحواله، فإذا دعا ربه صدق في سؤاله، وإذا خاف الله أو رجاه أو أحبه أو عظمه صدق في ذلك، فليست الأمور بالكلام، بل بالحقائق، فكلٌ يقول: إنه يحب الله، لكنك حين تبحث عن الصادق في محبته لربه الذي يترك ما عنه نهى ويفعل أمره ولو صعب لأنه يحب ربه لا تكاد تجده إلا قليلًا، فالصادق مع الله عبدٌ يرضى عن الله في أقداره، يصبر تجاه بلاءه، يعبد ربه في جلوته وخلوته، يحب ربه من قلبه.
وجماع الأمر -أيها الكرام- أننا كلَنا بحاجة إلى الصدق لتستقيم أمورنا.
فالمربي والمعلم بحاجة إلى الصدق في تربيته، فيسعى لتخريج نشء ينفع الله به، ويربطه بمعالي الأمور، ويربي الصغار منذ صغرهم على الصدق. والداعية بحاجة إلى الصدق في دعوته، فلا يبغي بدعوته أمر دنيا، وتكون أفعاله توافق أقوالَه، ولا يقول إلا صدقًا، ولا يتكلم إلا بما فيه صلاح الناس. والمسلم يصدق في كلامه ووعوده، وأفعاله وقلبه وعهوده، فلا تنطق شفتاه بكذب وإن قلّ، وطوبى لمن رأى في صحفيته صدقًا، ويا خيبة من سود صحيفته بالكذب، وإذا كان الله سيسأل الصادقين عن صدقهم فما ذا سيكون حال الكاذبين؟!
اللهم طهر ألسنتنا من الكذب وسيء الأقوال، واهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال..
صاحب هذه الخطبة
الشيخ /منصور بن محمد الصقعوب