حجم الخط:

الغناء في ميزان الشرع

الخطبة الأولى:

الحمد لله السميع البصير، العليم الخبير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير، أحمده سبحانه أرسَل رسولَه لإنارة البصائر، وأشكره على ما أَنعَم به من سَمْعٍ للسامع وعين للناظر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، خاتَم المرسلين، وسيِّد المتَّقين، اللهم صلِّ وسلم وبارِك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا عباد الله: اتقوا الله كما أمركم في محكم كتابه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

أيها الناس: إن القلوب إذا ضعف إيمانها، وأقدمت على المنكر مرة بعد مرة، آنسته واطمأنت إليه، وأصبح لديها أمرًا مألوفا، لا تشعر منه بحرج ولا إثم، وذلك مصداق قول النبي: «إن العبد إذا أذنب ذنبًا، نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع صُقل منها، وإلا امتدت حتى تعلو قلبه»[1]، وذلك الران الذي ذكر الله تعالى: ﴿ كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] فإذا علا القلوب ذلك الران، أصبحت لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، حتى لو عَرفتْ قُبح ذلك الفعلِ وتحريمه، وهي عقوبةٌ بالغة لأصحاب المنكرات والمعاصي، تجُرَؤهم على حدود الله، وتشجعهم على انتهاك حرمات الله، وتعمل على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.

إنه سماع الغناء من الكلمات الماجنة المصحوبة بالموسيقى، الغناء الذي ملأ الفضاء بالهراء، وأغرى السفهاء بالبلاء، الغناء الذي يدور أصحابه حول فلك الشهوة التي لا تتقيد بآداب، ولا تحتكم إلى قيَم، ولا تنضبط بشرع، كم أفسد من قلوب، وكم أركس من فِطَر، وكم أردى حليمًا فصار به سفيهًا.

الغناء ينافي روح الإسلام، ويضاد الفطرة السوية الطاهرة، والقيم الكريمة والآداب الرفيعة، ومع ذلك فقد ألفه كثير من المسلمين وتعلقوا به أشد من تعلقهم بالقرآن العظيم أو حديث الرسول الكريم، بل هو عند بعضهم أليف، أقرب من القرآن والحديث، وإن البعض تمر عليه الأيام والأسابيع والشهور ولا يكاد يكون له نصيب من تلاوة أو سماع القرآن، وأما مزمور الشيطان، ومنكرات الألفاظ والصور والألحان، فلا يكاد يمر عليه يوم وليس له منها نصيب، والله المستعان.

ولقد بلغ الحال بالبعض أن يسهروا على الأغاني الماجنة والصور الفاتنة الليالي الطوال، ودموعهم على خدودهم، يتجاوبون مع التأوهات والألحان، التي خلع أصحابها رداء الحياء والخوف من الله سبحانه.

وإنك لتفكر حين تتأمل ما وصل إليه حال البعض من هذه الأمة، فتتساءل: كيف يتسنى لأمة هذا حال أبنائها أن تبني مجدًا، أو تستعيد عزًا، أو تدفع عن نفسها عدوًا أو طامعًا؟

يكفيك هذا، لتحكم على هذا المنكر وأثرِه المدمر في الأمم، وما أكثر ما تميع أخلاق الأمة، على موائد اللهو والطرب، ومن هنا، تعرف لماذا يركز اليهود في مخططاتهم الإجرامية ومشـروعاتهم الإعلامية لإفساد العالم، على نشـر الغناء والموسيقى، وتشجيع محترفيها، والدعاية لهم.

ومن هنا أيضا تعرف خطأ بعض الآباء في ذلك، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، فبدلًا من أن يوقظوا في أبناءهم العزة الإسلامية، والكرامة القرآنية، ويشعلوا فيهم حماسة العلم النافع والعمل الصالح، ونفض الغبار عن أمتهم التي سامها عدوها سوم العذاب والذل والهوان، بدلًا من ذلك، يشجعونهم على استماع الغناء، والترنّم بالألحان، ظانين أن ذلك سبيل الفلاح والنجاح، والعلو والرفعة.

أيها الأحبة: لقد مدح الله عباده المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، وعلى ربهم يتوكلون، ومدح عباده المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون، ونوّه بذكر عباده الصالحين الذين يذكرونه قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، وهلم جرّا من تلك الصفات التي هي صفات أولي الألباب، وأرباب النهى والعقول، التي ترفع أصحابها درجات، وتنزّههم عما انحطّ فيه أصحاب اللهو من الدركات..

إلى هؤلاء نسوق حكم الله ورسوله في هذا المنكر، الذي أصبح اليوم معروفا، يقول الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿٦﴾ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7]. قال الواحدي وغيره: (أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء قاله ابن عباس وعبدالله بن مسعود). قال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان:6] فقال: «والله الذي لا إله غيره هو: الغناء - يرددها ثلاث مرات-».

وروى الإمام البخاري في صحيحه معلقا بصيغة الجزم عن أبي مالك الأشعري قال : «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف»[2]، وهذا الحديث رواه البخاري بصيغة الجزم، وهو في اصطلاحه صحيح ثابت، وقد روي متصلًا صحيحًا في كتب أخرى من كتب السنة، فرواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وأحمد وغيرهم، ولو لم يكن في تحريم هذا المنكر إلا هذا الحديث لكفى، لقوته وصحته.

ومن دلائل النبوة فيه: أنه قرن مع المعازف الزنا والخمر؛ لأنه طريق لها وباعث عليها، فالغناء رقية الزنا، أي موصل إليه ومشجع عليه، نسأل الله السلامة والستر والعافية.

وعن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه عن النبي قال: «نُهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة؛ لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة؛ لطم وجوه وشق جيوب»[3]، فهل يؤخذ بعد ذلك قول أحد؟! إلا أن يكون الدافع إلى ذلك الهوى والشهوة.

وإنا نعوذ بالله من زيغ الهوى، وتحكم الشهوة، وما أعظم على الناس فتنته وما أشد على الدين محنته، وهل أبقت الشريعة لقائل مقالا، أو لمتصرف بعدها مجالا؟!

ولقد فهم العلماء من هذه النصوص وغيرها، تحريم ذلك وخطره على الأمم والشعوب، فاتفق الأئمة الأربعة على حرمته، وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة والغناء، فقال في فتاويه: (أما إباحة هذا السماع وتحليله فليُعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يُعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإنهم متفقون - أي: الأئمة الأربعة - على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو كالعود ونحوه).

وقد نهى الله جل جلاله المرأة أن تحرك رجلها حتى لا يُسمع صوتُ خلاخلها، فكيف بمن تعرض نفسها للناس وقد تزينت كما تتزين المرأة لزوجها، ثم تتكسـر في غنائها، وتتميع في كلماتها، وتخضع بالقول لتُطمع من في قلبه مرض، وتُمرض كل من لسماعها عرَض؟!

وقد نص الإمام أحمد على كسر آلات اللهو كالعود والطنبور وغيرها، إذا رآها مكشوفة وأمكنه كسرُها، فكيف بهذا النوع السائد اليوم، الذي يحرض على الفاحشة، ويشحذ الشهوات، ويستحث الغرائز للحرام، ويشجع على هتك الحرمات، والتعدي على الأعراض.

قال الإمام القاسم بن محمد: (الغناء باطل، والباطل في النار). ويقول الفضيل ابن عياض: (الغناء رقية الزنا). وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى مؤدب ولده: «ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء».

وقد قال يزيد بن الوليد يعظ بني عمومته: (إياكم والغناء، فإنه يُذهب الحياء، ويزيد الشهوة، ويهدم المرؤة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السُّكْر، وجنّبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا).

وذلك لأن غناء الرجل ذو أثر كبير على عواطف المرأة ومشاعرها، لا سيما مع ما جُبلن عليه من الضعف، وما شاع فيهن من قلة العلم والفقه، وضعف الديانة في العصور المتأخرة.

قال الشافعي رحمه الله: (صاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها -أي: سماع غنائها- فهو سفيه تُرد شهادته. وأغلظ القول فيه، وقال: هو دياثة، فمن فعل ذلك كان ديوثًا). قال القاضي أبو الطيب: (وإنما جعل صاحبها سفيها، لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل، كان سفيها فاسقًا). وقد سمع سليمان بن عبد الملك صوت غناء، فاحضـر المغنيين وقال: (إن الفرَس ليصهل فتستودق له الرمكة، وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس لينبّ فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق له المرأة، ثم أمر بخصائهم).

فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا؟! وكم من حر أصبح به عبدا للصبيان و الصبايا؟! وكم من غيور تبدل به اسما قبيحا بين البرايا؟! وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا؟! وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا؟! وكم جرّع من غصة، وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة.

ألا نرى ما هو منتشر في مجتمعاتنا اليوم، من تعلق بعض البنات بالمطربين والمغنين والممثلين، وتفاخرهن بذلك في المجالس والمدارس والبيوت، فأي رجل بعد هذا، يملك في نفسه شيئا من الغيرة والرجولة على محارمه ونسائه، يرضى باستماعهن إلى غزل الفارغين من المطربين، الذين لا همّ لهم إلا الشهرة والمال، والضرب بالقيم والآداب عرض الحائط.

أفلا يتق الله أولئك الآباء، الذين يرضون بذلك في أهلهم، ويصغون له تاركين شرع الله وراءهم ظهريا، ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الأنعام:36] ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50].

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم...

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكورًا، سبحانه خلق السمع والبصـر والفؤاد وقال: ﴿ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها المؤمنون: إن الأمة لا بد أن تستيقظ من سباتها وتستفيق من غفلاتها؛ فلقد كثر انتشار الأغاني بين الناس، واستحواذها على القلوب، وصدّها عن ذكر علام الغيوب، وحثّها على الرذائل والعيوب؛ الأمر الذي يُبعِدُ عنا رحمته ويجلب سخطه، وما أحوجنا اليوم لأن نقترب من رحمته ونبتعد عن سخطه.

أيها الأخوة في الله: هذه رسائل أوجهها إلى من لا زالوا حريصين على مرضاة ربهم، واتباع آداب نبيهم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم:

الرسالة الأولى: إلى محب الغناء! أخي الحبيب.. ها أنت قد علمت ما للغناء من أثر، وكيف أنه يعارض ما أراده رب البشر، من تعبيد القلب ولهجه بذكر الله، وصون الأعراض، وحفظ الفرج، وغض للبصر، أنت تدرك أيها اللبيب أن مؤدى الغناء يضاد ويحاد الله ورسوله، ويناقض مراد الله في قوله: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30]، ثم أنت تدرك قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النور:19]، وتعلم مدى نصيب هذه الملاهي والمعازف والكلمات والصور مما تعنيه هذه الآية.

ثم أخي الغالي.. إذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله فانظر محبة القرآن في قلبك والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء بسماعهم، فإنه من المعلوم، أن من أحب حبيبًا كان كلامه وحديثه أحب شيئا إليه، فأين أنت من محبة القرآن، وكم نصيبك منه؟

إن كنت تزعم حبي

فلِم هجرتَ كتابي

أما تأملتَ ما فيه

من لذيذ خطابي

وإن حب القرآن وحب الغناء في قلب مؤمن لا يجتمعان أبدًا.. يقول ابن القيم رحمه الله:

حب الكتاب وحب الحان الغنا

في قلب عبد ليس يجتمعانِ

ثقل الكتاب عليهم لما

رأوا تقييده بشـرائع الإيمانِ

واللهو خف عليهم لما رأوا ما

فيه من طربٍ ومن ألحانِ

يا لذة الفساق لست كلذّةِ

الأبرار في عقلٍ ولا قرآنِ

فإذا وجدت شهوة وميلًا للغناء في قلبك ورغبةً ومحبة لسماعه، فارجع على الفور وتفقّد مصحفك، ستجد أن ذلك الميل لم يكن إلا بسبب ما يعيشه قلبك من الجدب والقحط وعدم الارتواء من كلام الله، فشغله الشيطان بالباطل من كلام الناس، حين لم ينشغل بالحق من كلام الله، وأعيذك بالله أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

ثم اعلم أن المعازف قرينة اللهو واللغو والغفلة عن ذكر الله، وأهلها لا يسلمون من التعدي على حدود الله، وذلك نذير شؤم على الفرد والمجتمع، فعن عمران بن حصين أن رسول الله قال: «في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف» فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذاك؟ قال: «إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور»[4]، وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله : «ليشربنّ ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير»[5].

أما تخشى سوء الخاتمة فإن من أسبابها الإصرار على الذنوب فلربما غلب عليك حب الغناء عند سكرات الموت فيظفر بك الشيطان عند تلك الصدمة، ويتخطفك عند تلك الدهشة، عياذا بالله من ذلك، وإذا كان الشيطان قد استطاع عليك وأنت في حال قوتك ونشاطك، فكيف في حال ارتخاء اليدين وامتداد الساقين وثقل اللسان، نسأل الله السلامة والعافية.

الرسالة الثانية: إلى الذين يروّجون للأغاني الماجنة والحفلات التي لا تخلو من انحلال وسفول في الصوت والصورة، أما إنكم قد ساعدتم عدوكم في إفساد أبناء أمتكم، شبابا وصغارا، ذكورا وإناثا، في نشر الرذيلة بينهم، فكم من أعراض قد انتهكت بسبب ما يهيجه الغناء؟!! وكم من شباب ضاعوا بسبب الغناء؟! وكم من أموال قد أهدرت؟!! وفضيلة قد تلاشت؟ وكم من خصال رفيعة قد ضُيعت؟!! وكم من سجايا حميدة قد أُهملت؟! فلا تنشـر شيئًا يرجع عليك بالإثم عند الله تعالى، حتى وإن ابتُليت بذنب فلا أقل من أن تندم على فعله، وتسلم من مضاعفته بالدلالة عليه.

قال عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا»[6]، فلماذا تحمل نفسك ما لا تطيق؟! يقول الله جل جلاله عن قوم: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25]، وقال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

الرسالة الأخيرة، للشباب والدعاة والآباء والمربّين، إنكم مطالبون بأداء الأمانة، وتربية الجيل، بنين وبنات، وبذل الجهد، وإفراغ الوسع في تعويد الناشئة مكارم الأخلاق، ومحاسن الطباع، وإسماعهم ما يغرس فيهم الفضيلة والأدب، من حسن الكلام، وجيد الشعر، وبليغ الحكم، ليرضعوا من صغرهم الصدق والأمانة، والعفة والصيانة، والنخوة والشهامة، والكرم والمعروف، لا أن يعتادوا على الفحش ومرذول القول وسيء الطباع، وإن الله سائلٌ كل راعٍ عما استرعاه، حفظ ذلك أم ضيّع؟

عوّد بنيك على الآداب في الصغرِ

كيما تقرّ بهم عيناك في الكبرِ

فإنما مثل الآداب تجمعها في عنفوان

الصبا كالنقش في الحجر

وإن كل أب وأم، ومعلم ومُرَبٍّ، يدرك ما لهذه الأغاني والملاهي من أثر عكسـي، وتأثير سلبي على منظومة الآداب والقيم، والخصال والسجايا، ومن هنا ندرك أنه من الأهمية بمكان لفت نظر الشباب والصغار إلى أفضل القدوات، وتكرار القصص والمواقف لخيرة الناس وقادة الأمم وسادات الصالحين والعلماء الذين لهم لسان صدق، ومنشور فضل، وصفحة ناصعة في التاريخ، لئلا تنحرف بوصلة الناشئة فيبحثوا عن القدوات في غير أماكنها، ويلهثوا وراء كل ناعق، ممن لم يكن له أثر علمي أو عملي، ديني أو دنيوي، فيعود بالكرة الخاسرة، والصفقة البائرة، يقول أحد العلماء: (كان من أهم أسباب انصرافي للعلم والجد والنبوغ، تلك القصص التي كانت تسردها عليّ جدتي قبل نومي من السيرة النبوية، والمواقف المحمدية، وأنا في سن السابعة من عمري!).

ما أجمل أن يُعوّد الصغير، ولدًا كان أو بنتًا، على حب الله، وترتيل كتاب الله، والتشـرُّب لسيرة رسول الله، وقصص الصحابة الكرام، والأتقياء الأنقياء، والعلماء والخبراء، لينشأ صالحا مصلحًا، نافعًا لنفسه وأهله ومجتمعه وأمته...

هذا وصلوا رحمكم الله على البشير النذير، والسراج المنير...

صاحب هذه الخطبة

الشيخ /صالح بن عبد الرحمن الخضيري

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة