الحمد لله، الحمد لله مصرف الأمور بأمره، ومعز الدين بنصـره، ومذل الكفر بقهره، أحمده سبحانه وأشكره، أظهر دينه على الدين كله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مَن طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى بحسن العبادة ربه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، جاء بالصدق، وتأيد بالحق، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الأطهار، وأصحابه الأئمة الأخيار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى الذي ما من غائبة في السماء ولا في الأرض إلا ويعلمها ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102]، فأصلحوا عباد الله بواطنكم كما تعتنون بصلاح ظواهركم، فإن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأجسام، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال.
جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل حذيفة بن اليمان -وكان حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ- فقال: «أنشدك الله يا حذيفة هل ذكرني رسول الله مع المنافقين؟ فقال: لا، ولا أزكي أحدًا بعدك».
الله أكبر يا عمر، عمر يخاف على نفسه النفاق.. يخاف أن يكون من الذين قال الله فيهم ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ [النساء:145].
من هو عمر؟ إنك لا تكاد تجد مسلمًا على وجه الأرض لا يعرف عمر؛ فهو من أهم شخصيات أمة الإسلام، ومن أبرز الصحابة الأعلام، في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، ثم هو من أعظم زعماء التاريخ، جاء عن النبي ﷺ في وصفه: أنه من أهل الجنة، وأنه ما سلك فجًا إلا سلك الشيطان فجًّا آخر، ويخاف الشيطان منه، وأنه شهيد، ولو كان بعده ﷺ نبي لكان عمر، وأنه مُحدَّث مُلْهَم، ومع ذلك يخاف عمر على نفسه النفاق، فمن ذا الذي يأمن على نفسه النفاق بعدك يا عمر؟!
أيها الأحبة: لقد كان عمر يلاحِظ حذيفة عند الجنائز، فإن صلى حذيفة على الميت صلى عمر، وإن لم يصلِ لم يصل، ولم يكن عمر وحده يخاف النفاق على نفسه، بل قال البخاري رحمه الله: قال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف على نفسه النفاق).
ويذكر عن الحسن أنه قال: (ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق). وروي عن الحسين أنه حلف: «ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمِن»، وكان يقول: «من لم يخف النفاق فهو منافق».
وسئل الإمام أحمد رحمه الله: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ فقال: (ومن يأمن النفاق على نفسه؟!) وكان الحسن يسمي من ظهرت منه أوصاف النفاق العملي منافقًا، وروي نحوه عن حذيفة.
وإذا كان هذا البلاء بهذه الخطورة فما هي ماهيّته وحقيقته كي نحذره، إذ لا بد من معرفة الشر للحذر من الوقوع فيه، كما قيل:
| عرفتُ الشـرَّ لا للشـرّ لكن لتوقّيهِ |
| |
|
| ومن لا يعرف الشـرَّ من الخير يقع فيهِ | |
إن النفاق هو مخالفة الباطن للظاهر، بأن يظهر صاحبُه الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد النبي ﷺ، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار، وهو النفاق الاعتقادي.
وثمة نوع آخر من النفاق، وهو النفاق العملي، وهو طريقٌ موصل إلى الأول وأصوله مذكورةٌ في قوله ﷺ: «أربعٌ من كن فيه كان منافقًا، وإن كانت خصلةٌ منهن فيه كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر»[1].
ولقد بين الله تعالى أوصاف المنافقين في كتابه أكمل التبيين حتى يتعرف المؤمنون على أهل هذه الأوصاف فيحذروهم، فمما وصفهم الله تعالى به بالأوصاف التالية:
أنهم لم يرتضوا الاسلام دينًا ولا الكفر الصـريح مبدأً، فكانوا مذبذبين بين الكفار والمؤمنين غير أنهم يبغضون المؤمنين ويتولون الكافرين، وأنهم يأخذون من الدين ما سهل عليهم ويقبلون من الحق ما وافق هواهم، ثم هم ينكصون عما خالف أهواءهم ويتقاعسون عن تنفيذ ما يشق عليهم كشهود صلاة العشاء والفجر في المسجد، وإذا أرادوا شيئًا من العبادات فكأنما يستكرهون أنفسهم عليه فيؤدونه بكسل وتثاقل، وأنهم يقولون مالا يفعلون، فيقولون الكلام المعسول بينما يضمرون الكيد والمكر، قلوبهم قاسية، وعقولهم قاصرة، فلا يتأثرون بالقيم الإنسانية النبيلة، والمثل العليا، ولا يقدرون مكارم الأخلاق، أفُقهم ضيق، ونظرتهم محدودة، فصحاء شجعان في السلم، فإذا جد الجد وحصحص الحق استخْفوا بأنفسهم ولاذوا بغيرهم ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ [المنافقون:4]، يخدمون الكفار ويتجسسون لهم ضد المؤمنين، يخذلون المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله، وإذا اشتركوا معهم أحدثوا الخلل والاضطراب في صفوفهم، وعملوا على تفكيك وحدتهم وتفتيت قوتهم، ييأسون من رحمة الله، وينقطع أملهم في نصره، ويلجؤون في طلب النصر إلى الأعداء ويسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، ويعتمدون على القوى الحسية وحدها في وزن القوى المتقابلة في الميدان، ويسخرون من الاعتماد على الله عند عدم تكافؤ القوى، يستغلون الفرص المناسبة للطعن في دعاة الإسلام المخلصين وتشويه سمعتهم عن طريق الكذب وتغيير الحقائق، يبثون الشائعات وينشرون الشبهات حول الإسلام ليزعزعوا إيمان المؤمنين به ويصدوا الناس عن الدخول فيه، يحاولون إفساد المجتمع الاسلامي عن طريق تيسير سبل الفساد التي تحطم الأخلاق وتقضي على الفضائل الإنسانية، يحاربون الإسلام عن طريق التسمي به والدعوة إليه، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، يقبضون أيديهم عن إنفاق المال في حقه فهم بخلاء في الحقوق الواجبة.
عباد الله: هذا شيءٌ من صفات المنافقين التي ذكرها الله تعالى في كتابه المبين، ليبين للمؤمنين حتى يحذروا من النفاق ومن صفات المنافقين وليعرفوا حقيقة أعداءهم، إن المنافقين شرٌ على الاسلام والمسلمين من اليهود والنصارى والكافرين، وذلك لأن أولئك قد أعلنوا الكفر، فالمؤمنون جميعًا يدركون عداوتهم وتجتمع كلمتهم ضدهم، أما المنافق فإنه لا يدرك عداوته وخطره على الأمة إلا القليل من المسلمين، وهم أصحاب الوعي الكامل، ولا يتصدى لحربه إلا الذين جمعوا بين الوعي الكامل والإيمان القوي، وغالب المسلمين ينخدعون بالظاهر وتغرهم المظاهر، ويغريهم زخرف القول والوعود الكاذبة، والجري وراء الدعايات الجوفاء عن النظر والتأمل والنقد الهادف والاستشهاد بالماضي على الحاضر، ثم بين عشية وضحاها يصبح والأمر قد انفلت من أيدي المؤمنين وأخذ المنافقون حريتهم الكاملة في تنفيذ مخططاتهم للإفساد في الأرض، ومن هنا كان المنافقون أخطر على الأمة.
وإن مما حدث في هذا الزمان أن المنافقين تسموا بأسماء ظاهرها جمالٌ برّاق، وباطنها مرُّ المذاق، وتنشر صورهم وتلمع أسماؤهم، وتؤخذ آراؤهم، ولكنهم ينكرون كل معنى في الدين أصيل، وكل مبدأ نبيل، ويتنكرون للدين واللغة والأخلاق الكريمة والآداب والقيم الفاضلة، ويصمون أهلها بالتخلف والرجعية، ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد:30].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤﴾ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٥﴾ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿١٦﴾ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١٧﴾ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿١٨﴾ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المجادلة:14-19].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله الذي تقدس في علاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي من تولاه، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، حذر أمته من النفاق وأوصاف المنافقين فجزاه الله عن أمته خير ما جازى نبيًا عن أمته.
ثم أما بعد:
لقد حذر الله هذه الأمة من المنافقين وأمر رسوله بجهادهم فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التوبة:73].
وإن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى تأمل آيات القرآن، لتحذر من الوقوع في صفات النفاق، وتسلم من شرور المنافقين، فإنهم لا يدّخرون جهدًا في المكر والكيد لهذه الأمة، ولذا حذر الله هذه الأمة تحذيرًا بليغًا لكننا قد لا ندركه أحيانًا إلا بعد فوات الأوان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١١٨﴾ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١١٩﴾ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران:118-120].
عباد الله: وإن على العبد أن يتفقد إخلاصه ويتعاهد إيمانه، ويحافظ على طاعة ربه، فإنه إذا أمِن النفاق واستهان بالمعاصي والغفلة وركن إلى هوى النفس؛ قاده ذلك إلى الشـر ومراتعه، فينسَلُّ من الخير رويدًا رويدًا حتى يغلف قلبه الران، قال ﷺ: «تُعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشربها نُكتت في قلبه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصير القلبُ أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنةٌ ما دامتِ السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجخّيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه»[2].
فالحذر الحذر عباد الله من النفاق وخصال المنافقين، اصدقوا في الأقوال والأفعال، وبادروا الفتن بصالحات الأعمال، ووفوا بالعهود والمواثيق، والتزموا بالمواعيد على التحقيق، واعفوا واصفحوا عند المخاصمة، وأدُّوا الأمانة إلى العدو والصديق، وكونوا أشداء على أعداء الله من الكافرين والمنافقين، رحماء بالمسلمين أذلة على المؤمنين.
هذا وصلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية...