الحمد لله ذي القوة والجبروت، والقهر والملكوت، قديرٌ فما شيء عليه يفوت، عليمُ الحال بالجهر والسكوت، والظهور والخفوت، وأشهد ألا إله إلا الله وحده الحي الذي لا يموت، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ذوي اليُمن والقنوت.
أما بعد: فاتقوا الله عبادَ الله.
أيها المؤمنون: تلمُّسُ المنح واستبصار الفضائل سبيلٌ للظفر وحيازة المغانم، ورمضان منحة ربانية تحمل في طياتها صنوف البر والخيرات. ومن مفردات تلك المنح: تنزّل النصر فيه؛ فللنصـر مع رمضان اقتران قدريٌّ وثيق الارتباط، ترتبت فيه النتائج على الأسباب بأمر الله سبحانه.
معشر الصائمين: أيام رمضان مآثر لعزِّ الأمة المعقود، ومفاخر لأملها المنشود؛ ففي هذا الشهر من ثاني سنيّ الهجرة النبوية فرض الله الجهاد على الأمة مع افتراض شعيرة الصيام؛ فكان رمضان موسم نصر للمسلمين على امتداد التاريخ، حين شهدت أيامه الخالدة معارك خاضها المسلمون مع الأعداء على تنوع دياناتهم ومِللهم، واختلاف أقطارهم وأمصارهم، وتفاوت عَددهم وعُدَّتهم، أكرَمَ الله فيها أولياءه بالنصر المبين، فكانت تلك المواقع الرمضانية فيصلًا في تاريخ الأمة، ونقطة تحوُّل في مسيرتها واتساع رقعتها، وشامة في جبين عزها ومجدها.
ففي رمضان من السنة 2هـ كان يوم الفرقان حين انتصر المسلمون على كفار قريش في غزوة بدر، وفي رمضان من السنة 8هـ كان فتح مكة.
وفي رمضان من السنة 13هـ كانت موقعة البويب مع الفرس على يد الصحابي المثنى بن حارثة رضي الله عنه.
وفي رمضان من السنة 15هـ كانت معركة القادسية الشهيرة بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
وفي رمضان عام 53هـ استعاد المسلمون جزيرة رُودُس على يد القائد جنادة بن أبي أمية بأمر الخليفة الصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.
وفي رمضان من عام 93هـ فتحت الأندلس على يد القائد طارق بن زياد.
وفي رمضان من السنة 94هـ افتُتحت بلاد الهند والسند على يد القائد الشاب محمد بن القاسم الثقفي.
وفي رمضان من عام 223هـ كان فتح عمورية المشهور في عهد الخليفة المعتصم العباسي.
وفي رمضان من عام 264هـ فُتحت مدينة سرقوسة في جزيرة صقلية الأوربية.
وفي رمضان من عام 583هـ كان تحرير مدينة صفد من قبضة الروم على يد القائد صلاح الدين الأيوبي.
وفي رمضان من عام 658هـ كانت هزيمة المغول في معركة عين جالوت بقيادة المظفر قطز.
وفي رمضان من عام 666هـ كان فتح أنطاكية.
وفي رمضان من عام 673هـ افتتحت أرمينيا الصغرى.
وفي رمضان من عام 702هـ كُسرت شوكة المغول في معركة شقحب.
وفي رمضان من عام 791هـ فتحت بلاد البوسنة والهرسك على يد القائد العثماني السلطان مراد.
وفي رمضان من عام 889هـ فُلّ حدُّ الروس على يد العثمانيين في واقعة القَرْم.
وفي تاريخنا المعاصر في رمضان عام 1973م حطَّم المصـريون المسلمون خط بارليف اليهودي، وجرعوا اليهود هزيمة نكراء، فكانت الهزيمة الوحيدة لهم في تاريخنا المعاصر كذلك في شهر رمضان...
معشر الصائمين: إن المتأمل في أسباب إنزال الله النصر على عباده يجد أنها فضل من الله أفاضه على أوليائه حين انتصروا على نفوسهم وحققوا تقوى ربهم، والذي كان الصيام أحد وسائل تحقيقها: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة:21] ؛ فكانوا مؤهلين لتنزُّل النصـر عليهم، ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج:40].
وفي رمضان نجد الانتصار على النفوس أقوى ما يكون؛ انتصار على الرياء وملاحظة الخلق بتصفية العمل للخالق ابتداءً بتبييت نية الصوم، يقول ﷺ: «لَا صِيَام لمن لم يبيِّت الصّيام من اللَّيْل»[1].
وانتصارٌ على الشياطين بالتصفيد وتضييق مجاريهم بالصيام، يقول الرسول ﷺ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْـجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»[2].
وانتصار على الشهوات التي كثيرًا ما يكون داعيها الفرج والبطن واللسان، قال ﷺ: «يَقُولُ اللهُ عز وجل: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي»[3]. ويقول الرسول ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[4].
وانتصار على الشح والبخل والأثرة، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»[5].
وانتصار على سوء الخلق، يقول الرسول ﷺ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. إِنِّي صَائِمٌ»[6].
وانتصار بالاجتماع وعدم التفرق، يقول الرسول ﷺ: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ»[7].
وانتصار بالاعتزاز بالإسلام، وخلع ربقة التقليد المهين للخارجين عن طاعة رب العالمين، يقول الرسول ﷺ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ»[8].
ويضاف لهذه الانتصارات أنَّ رمضانَ وقتُ تنزُّلِ القرآن، ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة:185]، والقرآن من أعظم ما يُجاهد به الكافرون، كما قال الله تعالى: ﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ [الفرقان:52].
كما أن رمضان شهر الصبر، والنصـر قرين الصبر، يقول الرسول ﷺ: «النصر مع الصبر»[9].
وفي رمضان الأدعية التي لا تُرَدّ، يقول الرسول ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا ترد دعوتهم: الصَّائِم حَتَّى يفْطر، وَالْإِمَام الْعَادِل، والمظلوم»[10]. فلأجل ذا غدا رمضان من أعظم مواسم نصر المؤمنين...
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وجعلني وإياكم بآياته من العاملين...
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
إن رمضان لم يزل محطة انتصار المسلمين على الصعيد الشخصـي والأممي، وإن في تلك الانتصارات الرمضانية عبرة وأي عبرة، ولكن ما أكثر العبر وأقل الاعتبار، وإن الأمة التي لا تقرأ تاريخها ولا تستفيد من ماضيها لحاضرها ومستقبلها لهي أمة مقطوعة بتة، فالماضي والتاريخ ليس مفتاحًا لفهم الحاضر فحسب، بل هو أساسٌ من أسس إعادة صيغة الحاضر وبناء المستقبل، ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف:111].. ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس:14].
أيها الأخوة: يشهد التاريخ الإسلامي أنَّ أغلب الغزوات والمعارك التي قادها المسلمون في شهر رمضان كانت تُكلَّل بالفوز والانتصار، ومن هنا حرص الرسول الكريم ﷺ أن تكون أغلبُ غزواته في شهر رمضان؛ تقربًا إلى الله عز وجل وإرشادًا للمسلمين إلى سبيل الاستعداد لاحتمال الشدائد في الجهاد، وهنا تجتمع - لدى المجاهد الصائم - مجاهدةُ النفس ومجاهدةُ الأعداء؛ فإنِ انتصر تحقَّق له انتصاران: هما الانتصار على هوى النفس، والانتصار على أعداء الله..
إن واقع الأمة اليوم في كثير من بقاعها وأصقاعها وأحوالها وأوضاعها يستدعي النظر والاعتبار، والتفكر والادكار، ولو أن المسلمين استوعبوا دروس الماضي لما أخطئوا في كثيرٍ مما أخطئوا فيه، والذي ينظر في تغيرات الأمم في مللها وأخلاقها، ويتأمل في تقلبات الدول في سياساتها واقتصادها هو أقدر على تفهم الحوادث الماضية، والتي هي صورة مشابهة لكثيرٍ من الوقائع المعاصرة، ألم يكن لهذه الأمة أعداء من قبل؟ ألم تتغلب عليهم رغم فارق القوة والعَدد والعُدد؟ ثم ألم تنعكس هذه العبادات كالصيام مثلًا على قيمهم وأمجادهم وحضاراتهم؟ إذًا: فلنثق بنصـر الله، وبوعد الله، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
وإمعانًا في حسن الظن بالله، وامتدادًا لعوائد نصره الرمضاني، فإنا نترقب مخايل تنزُّل النصر على هذه الأمة في هذا الشهر الكريم، ونرقب بعين الأمل بزوغ شمس الحق وهيمنتها؛ فانتصارات رمضانَ أثبتَتْ أنَّ طريقَ تنزُّلِ النصرِ الإلهي الوحيد للأمة إنما يكون بانتصارها على ذاتها، حين تستقيم على صراط الله المستقيم، الذي يظل رمضان أقوى محطَّةِ تزوُّدٍ للسَّيْرِ فيه.
هذا وصلُّوا وسّلموا..