الحمد لله الذي يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إنه هو البر الرحيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى الدين القويم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
اتقوا الله -عباد الله-، وأعدّوا العدةَ ليوم تتفطر فيه الأكباد وتتقلب فيه القلوب والأبصار، ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [الزمر:56].
أيها الناس: اعلموا أن الإسلام دين العزة والمجد، ودين الرفعة والجد، فلا كسل ولا خمول ولا ذلة ولا تواكل في الإسلام، ومن هنا فإنّ ديننا الحنيف يحثّ على علوّ الهمة ورفعة العزيمة وقوة الإرادة، إن عالي الهمة يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته، وتحقيق بغيته، لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره، وأن المصالح والخيرات، و اللذات و الكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب:
| بَصـُرتَ بالراحة الكبرى فلم |
| ترها تُنال إلا على جسـر من التعبِ |
| فقل لِمُرَجِّي معالي الأمور |
| بغير اجتهادٍ: رجوتَ المحالا |
معاشر الآباء والأمهات والإخوة والأخوات: ما من عاقل إلا وله في حياته هدف يسعى لتحقيقه، ورسالة يودُّ أداءها، أي: أن له همًا في هذه الحياة؛ لذا قال النبي ﷺ: «أصدق الأسماء حارث وهمام»[1]. قال ابن الأثير رحمه الله في معنى همام: (وإنما كان أصدقها لأنه ما من أحدٍ إلا وهو يهم بأمر، خيرًا كان أو شرًا). إذًا فكل أحد يحمل بين جوانحه همًا وهدفًا يحركه في هذه الحياة ويوجه طاقاته لتحقيقه.
اجتمع ذات يوم بفناء الكعبة أربعة من أبناء سادات قريش هم: عبد الله بن عمر، وعروةُ بن الزبير، وأخوه مصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، فقال لهم مصعب: «تمنَّوا، فقالوا: ابدأ أنت، فقال: ولاية العراق وتزوُّجُ فلانة وفلانة وسماهما، وتمنى عروة العلم والفقه في الدين، وتمنى عبد الملك الخلافة، وتمنى ابن عمر الجنة. فسعى كلٌ منهم لإدراك غايته، واستجمع قواه في تحقيق أمنيته، فنال مصعب ولاية العراق وتزوج بمن سمَّى، ونال عروة الفقه فكان من الأئمة العظام ومن فقهاء المدينة السبعة، ونال عبد الملك الخلافة والملك، واجتهد ابن عمر في طلب الجنة، ونرجو أن يكون من أهلها».
وفي القصة شاهدان: الأول: كيف ربَّى النبي ﷺ أصحابه، وماذا كان همهم في الحياة، وكيف كانوا سادة الدنيا بذلك. فابن عمر الذي تربى بين يدي النبي ﷺ كان أسمى الأربعة همة وأنبلهم طلبة، فكان هدفه أنبل، وكانت أمنيته أسمى.
والشاهد الثاني: تفاوتُ همم الرجال مع أن مطالب الأربعة كلّها في حدود المباح، لكن شتَّان بين من جعل همه بلوغ الجنة أو الفقه في الدين وهو طريق إلى الجنة، وبين من جعل همه التزوج بامرأة أو نيل منصب زائل، إن تركه الناس فيه فلم يخلعوه لم يتركه الموت حتى ينزله من كرسيه ويقذف به تحت التراب.
وفي القصة شاهد آخر: وهو أن ما يحمله الإنسان بداخله من همٍ ورسالة يُحرّك طاقاتِه نحو تحقيقه، فإذا به يتحقق، لا لأنه تمنّاه، ولكن لأنه جدَّ في تحقيقه وبذل أسباب الوصول إليه، فتحقّق بإذن الله.
وتأمل معي -أخي الكريم- تفاوت الهمم وكيف تتفاوت مقادير الرجال بتفاوتها، فمن الناس من همه جمع الدراهم وتكثيرها، وربما شح بها على نفسه أو أهله لأن همه في رؤيتها كثيرة وإن لم ينتفع بها، وهو بمثابة العبد الذي يحرس المال لسيده ولا حظ له فيه، ومنهم من همّه نيل المناصبِ والترفع بها، ومنهم من همه في الحياة امرأة يرى أنه إن ظفر بها فاز فوزًا عظيمًا، وإلا فقد فاتته الحياة، ومن الناس من همه البنيان والعمران، فيرى أنه متى أكثر من العمران وأطال البنيان فقد قام بواجبه في الحياة؛ لأن الغرض من الحياة عند البعض أن نعمر الأرض ونحرثها ونزينها وكأننا خلقنا لها لا أنها خلقت لنا مع أن مولانا سبحانه يقول: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة:29]، ومن الناس من همه بطنه، ومنهم من همه نزواته، بل من الناس من همه أن يصبح لاعبًا يركض خلف مطاط منفوخ.. ولا تزال الهمم تدنو وتدنو حتى إن من الناس من همه أن يكون مغنيًا يتمايل طربًا فيتمايل معه السفهاء، أو ممثلًا يشيع الفاحشة وينشر الرذيلة ويروّج للباطل لينال به عرضًا زائلًا وصيتًا حائلًا.. وهكذا لا تزال الهمم تصغر وتصغر حتى يصبح هم أحدهم في أمر تافه حقير يقضي ساعات عمره في الانشغال به، مع أنه يعود عليه بالضرر عاجلًا أو آجلًا، وكلٌ يسير إلى غايته، ويجهد في تحقيق رسالته، ومن هنا ينشأ التفاوت بين النبلاء والغوغاء، بين العقلاء والسفهاء؛ لأن منازل الرجال وكذلك النساء تتفاوت بتفاوت ما يحملونه من الهموم والغايات، فالهمم العالية تسمو بصاحبها إلى ذرى المعالي، والهمم الدنيئة تسفُل بصاحبها إلى الحضيض، وكلٌ يسعى لإدراك غايته وتحقيق أمنيته، جليلةً كانت أم حقيرة، خيرًا كانت أم شرًا..
| ألا بلّغ الله الحِمَى من يريده |
| وبلّغ أكناف الحمى من يريدها |
| وشتان بين من همُّه الحِمَى |
| ومن همه كنيف الحمى. |
معاشر المسلمين: علو الهمة يكون أولًا بتربية النفس على معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، وشمائل العظماء، وعدم الرضى بالدون، فإن الراضي بالدون دنيء.
| لعمرك ما أهويت كفّي لريبة |
| ولا حملتني نحو فاحشةٍ رجلي |
| ولا قادني سمعي ولا بصـري لها |
| ولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي |
| ولست بماشٍ ما حييت لمنكر |
| من الأمر لا يمشـي إلى مثله مثلي |
| ولا مؤثر نفسـي على ذي قرابة |
| وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي |
| وأعلم أنّي لم تصبني مصيبةٌ |
| من الدّهر إلّا قد أصابت فتىً قبلي |
ولقد كان الصحابة الكرام -عليهم الرحمة والرضوان- مثالًا يحتذى في علو الهمة وإدراك الغايةِ من هذه الحياة؛ لأن النبي ﷺ رباهم على المعالي والترفع عن السفاسف والتّوافه، حتى في طلب الجنة كان النبي ﷺ يحثهم على طلب الفردوس منها، وهو خيرُ بقاعها، وهو منتهى الهمم النبيلة، فقال ﷺ: «إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس؛ فإنه سِرُّ الجنَّةِ»[2]. أي: أفضل موضع في الجنة، وقال ﷺ: «إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»[3].
وهذا عبد القادر الجيلاني رحمه الله يقول لغلامه: (يا غلام: لا يكن همّك ما تأكل وما تشرب وما تلبس وما تنكح، وما تسكن وما تجمع، كل هذا همُّ النفس والطبع، فأين همُّ القلب؟! همُّك ما أهمَّك، فليكن همّك ربّك عز وجل وما عنده).
واعلم -أيها الحبيب اللبيب- أن الهمّ الذي تحمله بين جنبيك هو الذي يحدِّدُ قيمتك في سوق الرجال، فإن كان همُّك في الحياة رضوان الله عز وجل فتحيا بدينك ولدينك ذابًا عن حياضه حاميًا لحماه دائبًا في نشـره مجاهدًا لعزه ونصـره مجتهدًا في نصح الخلق وتعبيدهم لخالقهم، ساعيًا في الخيرات آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، فاعلم أن همَّك عظيم ومطلبَك كريم، فأخلص العمل لله جل وعلا ، واقتفِ سنة رسول الله ﷺ، وسترى الثمار يانعة بإذن الله، فإن كنت ذا علم فعلِّمه من لا يعلم، وإن كنت ذا مال فلا تبخل بالبذل لإعزاز دينك وغوث إخوانك ودحر أعداء دينك، وإن كنت ذا منصب وجاه فاستعمله في مرضاة ربك وخدمة دينك وأمتك.
أما من كان همُّه في الحياة ليس إلا منصبًا رفيعًا، وقصرًا منيفًا، ومالًا وفيرًا، ولا همَّ له في دينه فلا يغضب لله ولا ينتصر لأولياء الله من العلماء والدعاة، ولا يأبه بانتهاك حدود الله فهذا ميت يمشي بين الأحياء، فأحسن الله عزاءه في نفسه، ولا كثر في المسلمين من جنسه، فبطن الأرض خير له من ظهرها.
| وما للمرء خيرٌ في حياةٍ |
| إذا ما عُد من سقط المتاعِ |
قال الخطيب البغدادي: (سمعت علي بن عبيد الله بن عبد الغفار اللغوي، يحكي أن محمد بن جرير الطبري مكث أربعين سنة، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة فأي همة هذه التي وصلت بهذا العالم الجليل إلى هذه المنزلة العالية!).
وهذا الإمام أبو الفرج ابن الجوزي يقول عن نفسه: (كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يديَّ مائة ألف، وأسلم على يديَّ عشـرون ألف يهودي ونصـراني). ويقول: (ولو قلت إني قد طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد لا أزال في الطلب). فإذا كان قدر ما قرأ وهو في الطلب (عشرين ألف) مجلدة، واحتسبنا أن صفحات المجلد الواحد في المتوسط (300) صفحة، كان مقدار ما قرأ (6000000) ستة ملايين صفحة، وإذا كان ما كتب بأصبعيه (ألفي) مجلدة، كان مقدار ما كتب (600000) ستمائة ألف صفحة، هذا ما قرأ ونسخ، فما هو مقدار ما كتب وصنف؟!
ويحدث الإمام ابن عقيل عن همته وهو في عشر الثمانين من عمره، فيقول: (إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشدَّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين.
وكان عثمان الباقلاوي دائم الذكر لله تعالى، فقال: (إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج! لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر. وكان الإمام البخاريّ يقوم في اللّيلة الواحدة ما يقرب من عشرين مرّة لتدوين حديث أو فكرة طرأت عليه، وقالت بنت الشافعي: أسرجتُ لأبي في ليلة سبعين مرة، كلما أراد أن ينام تأمل مسألة فقهية، فيقوم ويكتبها).
يقول ابن الجوزيّ: (تأمّلت أحوال النّاس في حالة علوّ شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين حسراتهم حينئذ، فمنهم من بالغ في المعاصي من الشّباب، ومنهم من فرّط في اكتساب العلم ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللّذات. فكلّهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت، أو قوى ضعفت، أو فضيلة فاتت، فيمضـي زمان الكبر في حسـرات، فإن كانت للشّيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت، قال: وا أسفاه على ما جنيت؟ وإن لم يكن له إفاقة صار متأسّفا على فوات ما كان يلتذّ به. فأمّا من أنفق عصـر الشّباب في العلم فإنّه في زمن الشّيخوخة يحمد جنى ما غرس ويلتذّ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذّات البدن شيئا بالإضافة إلى ما يناله من لذّات العلم.
ولقد تأمّلت نفسـي بالإضافة إلى عشيرتي الّذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدّنيا، وأنفقت زمن الصّبوة والشّباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني ممّا نالوه إلّا ما لو حصل لي ندمتُ عليه، ثمّ تأمّلت حالي فإذا عيشي في الدّنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين النّاس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم. ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشّدائد ما هو عندي أحلى من العسل، كنت في زمان الصّبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلّا عند الماء، فكلّما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همّتي لا ترى إلّا لذّة تحصيل العلم).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى:20].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
إخوتي الكرام: لقد أصيب المسلمون في عصورهم المتأخرة بدنو الهمم والرضا بالهوان والقعود عن معالي الأمور، والاشتغال بالسفاسف والترهات على مستوى الأفراد والجماعات، فصاروا إمّعات وببغاوات إلا من رحم الله، وغلب على الأمة اللهو والبطالة والعبث؛ ولهذا أصبحت الأمة غرضًا لأعدائها الذين تسلطوا عليها وجاسوا خلال ديارها فساموها سوء العذاب، بعد أن كانت عزيزةً مهيبة الجناب، فهوت من عليائها، ونزلت من شامخ عزها، ولقيت صغارًا بعد شمم، وذلًا بعد عزة، وجهلًا بعد علم، وعبثًا ولهوًا بعد جدٍ وحزم. فما أحوجنا أن نرجع إلى ديننا وأن نُعلي هممنا، فبالدين نرجع إلى الجادة، وبالهمم العالية ننفض غبارَ الذل ونرفع غِشاوةَ المهانة.
معاشر المسلمين: إن المسلم بطبيعته عالي الهمة؛ لأنه يشعر أنه مُبتعث لهداية الخلق والأخذ بأيدي الضالين إلى معرفة الله وما شرعه لخلقه، فهذا ربعي بن عامر يعرّف كسـرى بحقيقة المسلم فيقول له: (نحن قوم ابتعثنا الله لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان -يعني بعد تحريفها- إلى عدل الإسلام).
نعم -أيها الكرام-، هذه حقيقة المسلم وهذه همته، ولكنها تضعف بضعف العلم ونقص الإيمان، فكلما زاد العلم بالله ودينه وزاد الإيمان علت الهمة. وهذا سرّ علو همة الصحابة والتابعين الذين امتدّ سلطانهم من جنوب فرنسا إلى تخوم الصين، فهمة المسلم إنما تضعفها المعصية والجهل بحقائق الدين، وإلا فالأصل في المسلم علو الهمة، فهمته قد علت الجوزاء، ولم تتسع لها الأرض، فتطلعت إلى ما أعد الله لأوليائه في السماء.
وإن الهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل ومواضع التهم وتنأى به عن التلطخ بالرذائل وتحثه على اكتساب المكارم والفضائل. والهمةُ العالية ترفع القومَ من سقوط، وتبدلهم بالخمول نباهة وبالضعة رفعة، ذلك أن علوَّ الهمة يستلزم الجدَّ والإباء ونُشدان المعالي وتطلابَ الكمال والترفع عن الدنايا. ولا تزال الهمة النبيلة ترقى بصاحبها في مراقي الكمال في دينه ودنياه، فلا يقصر همه على نفسه، بل يصل خيره لغيره، ويسعى في مصالح الأمة، ويجتهد في كلّ ما يرفع عنها الغمة، يحيا لأهداف سامية، فيحيا كبيرًا ويموت كبيرًا، أما الذي يعيش لنفسه فلا يُفرَح بحياته، ولا يؤسى لوفاته، وإن صغير الهمة عندما يرى أعداء الأمة في قوة وسطوة يذوب أمامهم رهبة، ويُطرق إليهم رأسه انبهارًا وذلة، ثم لا يلبث أن يسيرَ في ركابهم، ويسارع في مشاكَلتهم ومرضاتهم، ويهرول خلفهم في كل صيحة هرولة الإمعة الأبله.
| والناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ |
| وواحدٌ كالألف إنْ أمرٌ عنَى |
معاشر الإخوة: إن هذا الدين العظيم أشد ما يكون حاجةً إلى رجال يحملون همَّه، رجال أقدامهم في الثرى وهمة هاماتهم في الثريا؛ لذا كان الحسن رحمه الله يقول: (يا له من دين لو أن له رجالًا).
إن علو الهمة هو أول طريق النجاح في الدين والدنيا بعد تقوى الله جل وعلا ، ولكن لا بد من التخطيط السليم لتحقيق الأهداف، فالهدف الذي لا نخطط لبلوغه يبقى حلمًا جميلًا يصعب الوصول إليه كما قال بعضهم:
| إذا تمنيت بتّ الليل مغتبطًا |
| إن المُنى رأس أموال المفاليس |
فينبغي تخيُّر الأهداف السامية والغايات النبيلة، ثم التخطيط لأهدافنا، دينية كانت أم دنيوية، مباحة من المكاسب والتجارات أن العلوم والمهارات أم غيرها، وينبغي أن تكون أهدافنا واضحة، فوضوح الهدف في ذهن صاحبه من أقوى أسباب تحقيقه بعد عون الله وتوفيقه، وحبذا لو كُتبت الخطة، فقد ثبت بالتجارب أن الخطة المكتوبة أجدى وأفضل ثمرة من غيرها. وقد استغنى السلف عن ذلك لوضوح الهدف في أذهانهم وقلة الصوارف والشواغل عن بلوغ الغايات.
عندما نتحدث عن علوّ همم السلف فإنما ذلك لأنهم جعلوا الهموم همًا واحدًا هو هَم الآخرة وطلب رضى الله، وقد قال ﷺ: «من جعل الهموم همًا واحدًا هم آخرته كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك»[4]. وإن التحلي بما كانوا عليه من كريم الصفات وجميل الشيم من مفاتيح العزة بإذن الله، لعلنا نربي جيلًا يصنعون الأمجاد، ويبنون البلاد، ويصلحون العباد.
| إذا غامرتَ في شرفٍ مَرومٍ |
| فلا تقنع بما دون النجومِ |
| فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ |
| كطعم الموت في أمرٍ عظيمِ |
ولكن هل انتهى زمن الهمم العالية؟! هل همم الرجال تاريخ أم لا زال له شواهد في الواقع؟! إن أمة الإسلام ولود لا يزال فيها همم تطرب النفوس لذكرها وتعطر المجالس بأخبارها، هل تريدون أن تسمعوا عن علو الهمة في زماننا؟! أبشركم، فالنماذج كثيرة، ولكن سنقتصر على ذكر نموذجين لعلو الهمة في زماننا، همة عالم إمام وهمة داعية إغاثي مبارك:
أما الأول فهو العلامة ابن باز رحمه الله ، يقول أحد مرافقيه الذين سافروا معه برًا، والشيخ قد تقدمت به السن يقول: بعد الساعة الثانية ليلًا قال الشيخ لمرافقيه: يبدو أننا تعبنا، قفوا لننام، فوقفنا فما مست أقدامنا الأرض إلا ونمنا من التعب، وشرع الشيخ في الصلاة، فلما استيقظنا قبل صلاة الفجر فإذا بالشيخ يصلي. ويقول بعض من أصحابه: لا أذكر أن ابن باز أخذ إجازة لا شهرًا ولا يومًا، بل كل وقته لدينه وأمته، نشر للعلم، وقضاء لحوائج الناس، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ومناصحة للقريب والبعيد من الولاة والعامة، حتى كتب لبعض الطغاة كتابًا شديدًا لإيذائه للصالحين وقتله للمصلحين، وختم كتابه بقوله تعالى: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء:227].
داوم رحمه الله أكثر من سبعين سنة بين قضاء وإفتاء ومناصب علمية، قضى من خدمته قرابة ثلاثين عامًا بعد استحقاقه للتقاعد، وجاوز التسعين وهو على منصبه يباشر مهامه الكثيرة التي تنوء بها العُصبة من الرجال، فإذا انتهى الدوام كان بقية يومه بين تعليم وإفتاء وإغاثة ملهوف ومساعدة محتاج وشفاعة لمستضعف، لا ينام إلا نحو أربع ساعات هي حظ نفسه منه، وباقي يومه لدينه وأمته، أتته الدنيا فأعرض عنها؛ لأن همته جاوزت حدود التراب وما عليه، ولو شاء أن يكون من الأثرياء لكان، فقد أثرى من هو دونه جاهًا ومنصبًا، ولكنه آثر الزهد والخروج من الدنيا خفيفًا، فكان يبذل ماله بذلًا قلّما تسمع به أذن، فقد كان من كرماء هذا الزمان، وله في الجود والإنفاق في وجوه الخير مواقف لا يتسع المقام لذكرها. وبالجملة فقد كانت الدنيا عنده أهون من أن يُلتفت إليها؛ لأن همته أعلى من الدنيا وما فيها، حتى قال بعضهم: نحن نركض خلف الدنيا وابن باز يهرب منها. فما أحوج أبناء العشـرين والثلاثين والخمسين لهمة ابن التسعين -عليه رحمة الله وعلى سائر علماء المسلمين-.
وأما المثال الآخر الذي يشهد أنه لا زال للهمة رجال ولا زالت الأمة ولادة: فطبيب عربي مسلم سمع بجهود المنصرين في إفريقيا، فتحركت فيه حمية الدين ونخوة المؤمن، فترك حياة الرغد والرفاه والوظيفة المرموقة ليعيش في إفريقيا سنوات طويلة، وظل أكثر من ثلاثة عقود إلى أن توفاه الله يجوب أدغالها ويخوض مستنقعاتها غير مبالٍ على أي فراش نام، أو من أي طعام أكل، ومن أي ماء متعكر شرب، فقضى هناك زهرة شبابه؛ باذلًا نفسه لدينه، دائبًا في الدعوة والإغاثة حتى تقدمت به السن، فلم يبالِ بكبر سنه، ولم تعقْه الأمراض التي أنهكت جسده الذي صار مستودعًا لعدد منها، هانت عليه نفسه في الله، وعلت همته في سبيل الله، فأسلم على يده الملايين من أهل هذه القارة السمراء، وبنى المئات من المساجد والمدارس والمشافي، ووقف للتنصير في هذه القارة كالطود الأشم، فلم يلقه المنصّرون في بلدة إلا عادوا أدراجهم وانكفؤوا في جحورهم، رجل واحد يفعل كل هذا، فرزقه الله محبة الخلق، فلا يسمع بجهده أحد إلا أحبه، إنه الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله تعالى ، هذه هي الهمم، وهؤلاء هم الرجال.
| هم الرجال وعيب أن يقال لمن |
| لم يتصف بمعالي وصفِهم رجلُ |
وقد يقول قائل: وأين نحن من هذه الهمم؟! هذا مما يعجز عنه أكثر الناس، فنقول: سددوا وقاربوا، وليبذل كل منا لدينه ما يستطيع وما في وسعه، وفي المجال الذي يُحسنه، فلدى كل مسلم ما يستطيع أن يُقدمه، فلا تحقرن نفسك -أيها الحبيب-، فإن لم تكن بحرًا فكن بئرًا، وإن لم تكن بئرًا فكن دلوًا، وإن لم تكن سيفًا فكن غمدًا، وإن لم تكن قلمًا فكن حبرًا.
أيها الناس: إن العاقل اللبيب من جعل همَّه في مرضاة الله، وعلم أنه لن ينال من الدنيا إلا ما كتب له مولاه، فاجتهد في رضاه، وآثره على هواه، وبذل الأسباب ثم توكل على الله، وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: «من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له»[5].
هذا؛ وصلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية...
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / عبد الله بن عمر البكري